الاثنين، 13 مارس 2017

المحن تصنع الأمل وتدفع إلى العمل. بقلم : محمد أبوغدير المحامي

الطغاة الظالمون يغيظهم استمساك أهل الحق بدعوة الله تعالى وجهادهم لتحكيم شريعته ، ويستفزهم جهدهم الدءوب في الإصلاح والتغيير ، فيثورون محاولين القضاء عليهم - إن استطاعوا - أو على الأقل إزاحتهم عن طريقهم بكل الوسائل .

ولقد فعل الإنقلابيون في حق الإسلاميين ما يعد إبادة جماعية  ، بعد أن افلح الأحرار المصلحون بعد ثورة 25 يناير  2011  في إزاحة الطغاة المستبدين ، واختاروا رئيسا مدنيا مسلما أعلن أن الله غايته والجهاد سبيله لإنتزاع حقوق الشعب من الظالمين وإسترداد حرياتهم وكرامتهم من المستبدين .

فما لبث أن انقلب العسكر على الحكم وخطفو الرئيس ، وتحالف الإنقلابيون مع شياطين الشرق والغرب وحاربوا الإسلاميين بإعتبارهم ارهابيين ، ثم تنوعت المحن الواقعة على كل الأحرار المصلحين ، ولم يبالوا لكونهم يعلمون يقينا أن طريق الدعوة حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء ، محفوف بالمخاطر والفتن والابتلاءات.

ولكونهم يفقهون قول الله تعالى : ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 1-3 ، فهم مؤمنون أن المحن على طريق الدعوة سنة لازمة لا انفكاك عنها ، ولا يمكن تفاديها ولا التخفيف من حدتها ولا تقليص مدتها ، وأن عدم تعرض أصحاب الدعوات للمحن يشكك في صحة الطريق الذي يسلكونه ، فأنبياء الله الذين اصطفاهم الله أوذوا فصبروا كان الألم طريقهم للأمل الموصل للنصر والتمكين .

والقرآن يغرس في الأمة الأمل ويبشرها بالنصر القرآن ، وكذلك كانت انتصاراتها الأمة السابقة فى حطين حيث الغلبة على الرومان وعين جالوت حيث الغلبة  التتار فذلك   طريقها إلى الأمل واثقين بنصر الله تعالى .

 لكننا نؤمن بأن الأمل يجب أن يرافقه العمل؛ لان الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين ، وأن للغلبة والتمكين أسباب أولها التربية الجهادية ، القائمة  على التماس أسباب القوة وهي ثلاث : قوة العقيدة والإيمان وقوة الوحدة والارتباط وقوة الساعد والسلاح .

والحديث عن : الأمل يدفع إلى العمل يقتصي تعريف الأمل ودوره في حياة الأنبياء ، وكون القرآن يغرس الأمل ويبشر بالنصر ، وأن انتصارات التاريخية حافز إلى النصر القادم ،
وأن الحديث عن أنه : لا أمل بلا عمل ، يقتضي بيان ان الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين ، وأن للغلبة والتمكين  أسباب لا يمكن للأمة أن تنتصر بدونها ، وبيان ذلك في الآتي :

أولا : الألم يصنع الأمل :

إ - تعريف الأمل :

الأمل هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات ؛ بحيث ينتظر المرء الفرج واليسر لما أصابه، ويأمل في إنجاز ما فشل فـيه من قبل، ولا يمل حتى ينجح في تحقيقه .

ب - الأمل في حياة الأنبياء :

وفي المحن حيث الضيق والألم يشعر المؤمن بضعفه البشري وحاجته إلى الله القوي ، فيرجع إلى كتاب الله الكريم ويتدبر آياته ليجد أن الألم طريق المؤمن إلى الأمل ، فيتعرف على حال خير خلق الله الأنبياء الذين اصطفاهم الله كيف أوذوا فصبروا وكان الألم طريق الأمل ، فيصنع الأمل ويدفعه الألم إلى العمل .
روى الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَــدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : ( الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ) ، صححه الألباني
ومع شدة البلاء الواقع على الأنبياء نجد الأمل والرجاء جل أخلاقهم ، وهو الذي جعلهم يواصلون دعوة أقوامهم إلى الله دون يأس أو ضيق برغم ما كانوا يلاقونه من إعراض ونفور وآذي ؛ أملا في هدايتهم في مقتبل الأيام .

 - 1محمد صلى الله عليه واله وسلم :
قال الله تعالى : ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )
هذه الجملة القصيرة ذات الكلمات القوية الشجاعة سجلها القرآن الكريم على لسان النبي الأمين صلى الله عليه وسلم يطمئن بها صاحبه الصدّيق ،  وقد لحق يهما الكفار في الغار حال هجرتهما من مكة إلى المدينة وأحاطوا بهما من كل جانب ، بعد أن قال له لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله ، فقالها النبي ، فقال الله تعالى : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة/40.

 ( كيف بك إذا لبست سواري كسرى وتاجه )
قالها الرسول صلى الله عليه واله وسلم في أحداث الهجرة لسراقة  لما أدركما  ، وكان يسعى للحصول على جائزة القبض على رسول الله وتسليمه المشركين حيا او ميتا ، وكاد يمسك بهما ، فلما رآه سيدنا أبو بكر قال أُتينا يا رسول الله فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على سراقة فساخت يدا فرسه في الرمل  فقال سراقة : إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب ، فدعا له النبي صلى الله عليه ووعده سواري كسرى وتاجه .

( الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام ، وفارس ، و اليمن )
 ويربي أصحابه على الثقة واليقين بموعود الله، وعلى التفاؤل والأمل، في هول وشدة غزوة الأحزاب التي  وصفها الله هذا الموقف بقوله تعالى:   ( إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (الأحزاب ، فيروي البراء بن عازب قال: ( أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجاء فأخذ المعول ثم قال: باسم الله ، فضرب ضربة ، فكسر ثلث الحجر، وقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال : باسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال : باسم الله، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا )

- 2  نوح -عليه السلام :

قال الله تعالى : { قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا . ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا } نوح : 5-9.
ظل نبي الله نوح -عليه السلام- يدعو قومه إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عامًا، دون أن يمل أو يضجر أو يسأم، بل كان يدعوهم بالليل والنهار.. في السر والعلن ، فُرَادَى وجماعات ، لم يترك طريقًا من طرق الدعوة إلا سلكه معهم أملا في إيمانهم بالله ، فأوحى الله -تعالى- إليـه أنه لن يؤمن معه أحد إلا من اتبعه، فصنع السفينة ، وأنجاه الله هو والمؤمنين.

 - 3 يعقوب -عليه السلام :

قال الله تعالى : {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف:87،
ابتلى الله -سبحانه- نبيه يعقوب -عليه السلام- بفقد ولديْه: يوسف وبنيامين، فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى فقد بصره، لكنه -عليه السلام- ظل صابرًا بقضاء الله ، وازداد أمله ورجاؤه في الله سبحانه- أن يُعِيدَهما إليه، فقال لهم : ( تيأسوا من روح الله ) وحقق الله أمل يعقوب ورجاءه، وَرَدَّ عليه بصره وولديه.

 - 4 موسى -عليه السلام-:

قال الله تعالى : {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) 61 الى 66 الشعراء ،
حين طارد فرعون وجنوده موسى عليه السلام وقومه ، فظن أَصْحَابُ مُوسَى أن فرعون سيدركهم ، وشعروا باليأس حينما وجدوا فرعون على مقربة منهم، وليس أمامهم سوى البحر ، هنا ظهر الأمل عند موسى عليه السلام  فقال ( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) فأمره الله -سبحانه- أن يضرب بعصاه البحر، فانشق نصفين، ومشى موسى وقومه ، وعبروا البحر في أمان، ثم عاد البحر مرة أخرى كما كان، فغرق فرعون وجنوده، ونجا موسى ومن آمن معه.

- 5  أمل أيوب -عليه السلام :

قال الله تعالى : { وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } الأنبياء: 83
ابتلى الله سبحانه- نبيه أيوب عليه السلام في نفسه وماله وولده إلا أنه لم يفقد أمله في أن يرفع الله الضر عنه ، وكان دائم الدعاء لله ؛ ، فلم يُخَيِّب الله أمله ، فحقق رجاءه ، وشفاه الله وعافاه ، وعوَّضه عما فقده .

ج - القرآن يغرس في الأمة الأمل ويبشرها بالنصر :

أمة القرآن أمة محمد يبشرهم ربهم بأنهم الأعلون  :
وإن كانوا في أحط منازل القدرة المادية ، وإن كنا في وقت من الأوقات في دائرة الهزيمة العسكرية القرآن. { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } آل عمران/139 .

أمة القرآن تثق دائما بنصر الله :

لقول الحق تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } التوبة/32، 33 .

أمة القرآن بالوعد الرباني :

حين قال الله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } الروم/47 { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } غافر/51 { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ } إبراهيم/27 .

ونصر الله لعباده المؤمنين يقين لا يتزعزع :

يعيشه المسلم حتى في أوقات الشدة التي لا تطاق ، واثقا في قول تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ، أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } البقرة/214 .

د - انتصاراتها الأمة  طريقها إلى الأمل في النصر القادم :

نحن أمة حطين التي استعادت فلسطين دون أن يمر على احتلالها قرن من الزمان .
نحن أمة عين جالوت التي انتصرت في معركة واإسلاماه على التتار الذين أبادوا الأخضر واليابس وقتلوا مئات الآلاف من المسلمين حتى كان مجرد ذكر إسمهم تنخلع له القلوب وحتى كان بعض المسلمين قد أيس أن يكون ثمة قدرة على مواجهة .
نحن أمة عبدا لقادر الجزائري الذي قاد التحرير ضد فرسنا من الجزائر .
نحن أمة عبد الكريم الخطابي الذي أخرج بقيادته الفرنسيين من المغرب .
نحن أمة عبد القادر الحسيني الذي جاهد الإنجليز واليهود في فلسطين .
نحن أمة نحن أمة عمر المختار البطل الذي أخرج الإيطاليين من ليبيا .
نحن أمة أطفال الحجارة وشباب الانتفاضة ورجال المقاومة، وأبطال الجهاد في فلسطين الذين علموا الدنيا كلها أن الإيمان واليقين لا يهزمه شيء مهما كانت القوى المدججة بالسلاح .
نحن أمة قوة وعزة، نحن أمة إيمان ويقين، لا يمكن أن تهزمنا الأحداث ، لكننا لا نبقى مع الأمل الحالم ، بل مع الأمل المدعوم بالعمل كما كانت أمتنا في كل وقت وحين .

ثانيا : لا أمل بلا عمل :

الأمل يجب أن يرافقه حسن العمل؛ لأن الذي يحسن الظن ويحسن العمل هو الذي يحسن الظن حقيقة بربه ، أما الذي يحسن الظن بالله ويسيء العمل فهذا يسيء الظن بالله  ، يقول الحسن البصري : [ إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ]

أ - الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين :

يقول السيد قطب في كتابه هذا الدين : المنهج الإلهي، الذي يمثله "الإسلام" في صورته النهائية، كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، لا يتحقق في الأرض، وفي دنيا الناس، بمجرد تنزله من عند الله. لا يتحقق بكلمة: “كن” الإلهية، مباشرة لحظة تنزله. ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه. ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب.
إنما يتحقق بان تحمله جماعة من البشر. تؤمن به إيماناً كاملاً، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها- وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك... تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى للوقوف في وجه الهدى...
ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها بقدر ما تبذل من الجهد . وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال. وقبل كل شيء... بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي.
إن الله قادر - طبعاً - على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه. ولكنه - سبحانه - شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها ، وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " .

ب - أسباب الغلبة والتمكين :

الله عز وجل يقول : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾ سورة النور الآية : 55 .
هذا وعد من الله تعالى لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين لهم في الأرض ، ولكن سنة الله غلابة فلا ينزل نصره إلا بإلتماس الأسباب الحقيقية الكامنة وراء النصر والغلبة والتي لا يمكن لجماعة مؤمنة أن تنتصر بدونها وهي :

1 ـ الإيمان بالله :

الإيمان هو السبب الأول لنصرة الإسلام والتمكين للمسلمين في الأرض فهذا وعد الله تعالى كما أثبت القرآن الكريم :قال الله تعالى -: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة النور (55).
والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم :يقوله الله تعالى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة الأنفال (2).
وقال سبحانه أيضا: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} سورة الأنفال (3-4).

 . 2 طاعة الله ورسوله  :

وإشترط الله تعالى تحقيق نصره لعباده بنصرة العباد له سبحانه فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) سورة محمد الآية 7.
ونصر الله من المؤمنين هو : طاعتهم لله تعالى باتباع شريعته ونصرة دينه والقيام بحقه تعالى ، مع اليقين بأن الله سبحانه ليس في حاجة إلى عباده بل هم المحتاجون إليه .
فالجماعة المؤمنة يجب أن تكون حريصة على طاعة ربها وطاعة رسولها ، تتحرى وتلتزم في كل شئونها وأحوالها بشرع الله ، دون أن تقدم بين يديه شرائع الهوى والطاغوت .
يقول الله تعالى ـ : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا } ( الأحزاب : 36 .

 - 3 التماس أسباب القوة وهي ثلاث  :

أولها : قوة العقيدة والإيمان :
وبها يقوم الفرد المسلم ، وتتمثل في الإيمان بالله والتوكَّل عليه ، والحياة في معينه سبحانه ، كما ربى رسول الله ابنِ عبّاسٍ-رضي الله عنه- حيث قال : ((يا غلام، إني أعلِّمُك كلمات: احفظِ اللهَ يحفظْك، احفَظِ الله تجِدْه تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنّ الأمةَ لو اجتمَعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمَعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلامُ وجفَتِ الصحف)) رواه الترمذي.

وثانيها : قوة الوحدة والارتباط :
وبها تتماسك الجماعة ويتوحد الصف ، وعنها قال تعالى :(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» .
وقوة الوحدة والإرتباط ضمان عدم التفرق والتنازع المؤدي الى الفشل والهزيمة ، ووقاية من تشقق صف الجماعة وتتفرق كلمتها ، ولذلك يحذر رب العالمين منها حين يقول سبحانه: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}54 .

وثالثها : قوة الساعد والسلاح :
وهي َضرورية لحماية الأوطان من العدو الغادر ، ولنشر الإسلام بقيام فريضة الدعوة إلى الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يحتاج إلى قوة ، لذلك كان النداء الرباني للجماعة المسلمة : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [(60) سورة الأنفال].

4  ـ التربية الجهادية  :

ولن يتمكن المسلمون ولن ينتصر دينهم إلا إذا سلكوا مسلك الأولين عرفوا أنهم أمة جهاد وحركة جهاد فعاشوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، يقولون الحق ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون العدل ، ولا يخشون في الله لومة لائم ، وكانوا لا يرهبهم سطوة حاكم ، أو سوط جلاد ، ولا حبل مشنقة ، بل إنهم ليستعذبونه في سبيل الله ،
فيجاهروا الطغاة الظالمين بكراهة باطلهم وجاهليتهم ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ، ومجاهدتهم باليد بالدفع والإزالة من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية والبطش الغشوم ،
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [(7) سورة محمد] فلا بد من الأخذ بالأسباب بالنصر والتمكين.

الخميس، 29 ديسمبر 2016

التغافر والتغافل سياج الأخوة ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي

الأخوة من نعم الله تعالى ، فإذا استوفت شروطها وجبت محبة الله لعباده كما في الحديث القدسي: ( وجبت محبتـي للمتحابين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ ) رواه أحمد  ، وتكرار لفظة " فيّ" في هذا الحديث القدسي يقطع بأن قوة الأخوة تكمن في إخلاص المصاحبة والصداقة لله .
والأخوة في الله تآلف بين القلوب واتحاد بين النفوس، لأن راية المؤمنين واحدة، وغايتهم واحدة، وطريقهم واحد ، ومن ثم تتلاشى بينهم الأحقاد والضغائن والأطماع والوساوس، لأن القلوب الصافية النقية تملك القدرة على التغافل عن الخطأ والتغافر من الذنب ، فيبين الله تعالى حال هؤلاء وهم يدعون لبعضهم بعضا : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) سـورة الحـشر :10 .
يقول الإمام أحمد : "تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل" .
فما معنى كل من التغافل ، والتغافر وما مشروعيتهما وكونه من أخلاق السلف  ؟ ، وما الداعي إليهما ؟ ، وما ثمراتهما ؟ والإجابة في هذه السطور .

.
أولا : التغافر معناه ومشروعيته وتخلق السلف به  :

.
أ - معنى التغافر :

 . 1 التغافر لغة  : تَغافَرَ ( فعل ): طلب المغفرة .
وتَغَافَرَ القومُ : دعاء كلُّ واحدٍ منهم لصاحبه بالمغفرة .

. 2  التغافر اصطلاحا : والتغافر : أن تقول لأخيك المخطئ رب اغفر لي ولأخي هذا ، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك .

ب - مشروعية التغافر :

ولقد أمر الإسلام بالعفو والصفح والتغافر :
 . 1 قال تعالى: ( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) التغابن:14 .
 . 2 وقال أيضاً: (... وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) النور/ 22 .
 3 .)  وقال أيضاً: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون َ) الجاثية :14

ج – التغافر من أخلاق السلف  :

ومن الأمثلة الراقية عن التغافر لدى السلف الصالح ما يأتي :
1. روي أن صديقا حدث له ما يغضبه من ابن السماك فقال له : الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب "فرد عليه ابن السماك رحمه الله تعالى بأبلغ جواب قال : بل بيني وبينك غدًا نتغافر" .

2. روى ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة، فعثرت فصبّت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: "يا مولاي! استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ}، فقال: "قد فعلت"، فقالت: "اعمل بما بعده": {والعافين عن الناس}، قال: "قد عفوت"، فقالت: "اعمل بما بعده" {والله يحب المحسنين} (آل عمران:134)، فقال ميمون: "أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى".

3. دخل عمر بن عبد العزيز المسجدَ في ليلةٍ مظلمة، فمرَّ برجل نائم فعَثَر به، فرفع الرجلُ رأسَه وقال: أمجنونٌ أنت؟ (وما علم أنَّه أمير المؤمنين)، فقال عمر: لا، فهمَّ به الحرس، فقال عمر: مَهْ، إنَّما سألني أمجنون؟ فقلت: لا.

4. خرج يومًا إبراهيم بن أدهم رحمه الله يمشي فمرَّ على رجلٍ من اليهود وكان معه كلب، فأراد الرَّجل أن يُغضب إبراهيم، فقال الرجل لإبراهيم: يا إبراهيم، لحيتُك هذه أطهر من ذَنَب كلبي أم ذَنَبُ كلبي أَطهر من لحيتك؟ فإذا إبراهيم يقول: إن كنتُ من أهل الجنَّة فإنَّ لحيتي أطهر من كلبك، وإن كنتُ من أهل النَّار فذَنَب كلبك أَفْضل من لحيتي، فقال الرجل: هذه أخلاق النبوَّة، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

.
ثانيا التغافل من أخلاق السلف  :

أ - معنى التغافل :

. 1  التغافل لغة : هو : تعمد الغفلة .

 . 2 التغافل اصطلاحا : هو : إعراضك عن قول أو فعل صدر من صديق وانت تتيقن غرضه السيء منه ، وتقابل ذلك بالتحلم والتسامح في التعامل معه .
وعرف - كذلك - بأنه : قصد الإنسان للغفلة، مع العلم والإدراك بما يتغافل عنه ؛ تكرما وترفعا عن سفاسف الأمور.

فالمتغافل : من يتعمد الغفلة عن أخطاء وعيوب مَن حوله، مع أنه مدركٌ لها وعالمٌ بها ، وكذلك يتغافل عن ما يقع أمامه من المواقف المحرجة للبعض , فمن حسن الخلق التغافل عن ذلك وعدم إشعار صاحب الموقف بأنه شوهد أو شُعِر به.

ب – مشروعية التغافل :

قد علّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا الخلق الكريم والأدب الرفيع ، وهذه أمثلة لذلك :
1. أسرّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بعض أزواجه ببعض الأسرار ونبأت به وأظهره الله تعالى عليه، فلم يعاتب عليه الصلاة والسلام بكل ما علم حتى لا يُحرج زوجته بمواجهتها بكل ما قالت، وفي ذلك قال الله تعالى : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير  )

2. عن أنس رضي الله عنه قال : ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ, وما قالَ لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟ ) متفقٌ عليه .

3. وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف داعيًا ، يحدوه الأمل في هداية ثقيف وذهب إليهم بقلب يحمل الخير والهدى للعالمين ، إلا انه لاقى منهم وقد استهزؤا بشخصه الكريم ، وسلطوا عليه سفهاءهم فرجموه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء ، وحين رفع صلى الله عليه وسلم اكف الضراعة إلى الله داعيا لم يطلب إهلاكهم أو تعذيبهم ، غير عابئ بجراحه البدنية وآلامه النفسية السالف بيانها ، فقط امتزجت كلماته بحرقه وجدانه الخائف على نفسه من غضب الله  ، ولم يستجب لطلب ملك الجبال حين قال : إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ ‘‘ ، فقال صلى الله عليه وسلم بكل رحمة وعفو ، ‘‘ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ’’

ج - التغافل من أخلاق السلف  :

ومن الأمثلة الراقية عن التغافل لدى السلف الصالح ما يأتي :
1. وروى عن أبو علي الدقاق انه قال : جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة ، فحدث أن خرج منها صوت في تلك الحالة فخجلت ، فقال حاتم : ارفعي صوتك فأوهمها أنه أصمّ فسرّت المرأة بذلك ، وقالت : إنه لم يسمع الصوت ، فلقّب بحاتم الأصم .

2. ومنها ما ذكره ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال : إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد.

3. ولقد دخل رجل على الأمير المجاهد قتيبة بن مسلم الباهلي، فكلمه في حاجة له، ووضع نصل سيفه على الأرض فجاء على أُصبع رجلِ الأمير، وجعل يكلمه في حاجته وقد أدمى النصلُ أُصبعه، والرجل لا يشعر، والأمير لا يظهر ما أصابه وجلساء الأمير لا يتكلمون هيبة له، فلما فرغ الرجل من حاجته وانصرف دعا قتيبة بن مسلم بمنديل فنمسح الدم من أُصبعه وغسله، فقيل له: ألا نحَّيت رجلك أصلحك الله، أو أمرت الرجل برفع سيفه عنها فقال: خشيت أن أقطع عنه حاجته.

.
ثالثا : لماذا التغافر والتغافل ؟

أ - لأن كل ابن آدم خطاء :

الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ينجو منه أحد إلا من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين ، ولقد صدر الخطأ عن أصحاب النبي الكرام صلى الله عليه وسلم ، والعلماء والأولياء يخطئون أيضا ، ، وبيان ذلك في الآتي :
لقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " أخرجه الترمذي .
وعن خطأ الصحابة الكرام رضي الله عنهم وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين من الخطأ ، قال عليه الصلاة والسلام : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" أخرجه مسلم والترمذي .
وعن خطأ العلماء والأولياء قال الإمام الترمذي : "وإنما تفاضل أهل العلم بالحق الصدق والإتقان ، والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم" .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ليس من شرط أولياء الله المتقين ترك الصغائر مطلقاً ، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه توبة .
وإذا كان لا عصمة لبشر فمن مصلحة الجميع أن يتغافل ويتغافر بعضهم عن ذنوب بعض حتى تتصافى القلوب وتطيب النفوس وتبقى الأخوة الصادقة على قلب رجل واحد لتقيم شرائع الإسلام ومناهجه .
ومن ناحية أخرى يقول الإمام ابن القيم : يا ابن ادم .. إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لا يعلمها إلا هو , فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده , وأن أحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده , فإنما الجزاء من جنس العمل .

ب - الخطأ اليسير مغتفر في جانب الخير الكثير :

نتغافر ونتغافل عن أخطاء إخواننا لأن المسلم يوزن بسيئاته وحسناته معا ، فأيهما غلب كان الحكم له ، كما قال تعالى : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) المؤمنون : 102 ، 103 .

فمن كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة وطريق الفوز والفلاح ،  وبيان ذلك في الآتي :
قال الحافظ ابن رجب : "والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" .
وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" أخرجه أبو داود .
قال الشافعي : "ذوو الهيئات الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة" .
وبهذا المنهج عامل النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لكفار قريش عن تحرك جيش المسلمين لغزوهم ، فقال عمر : إنه خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أليس من أهل بدر ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم" رواه البخاري.
وعن هذه الواقعة قال ابن القيم رحمه الله : فدل ذلك على أن مقتضى عقوبة حاطب قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه لما له من المشهد العظيم ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات" .

ج - تجنب الجدال والمراء والخصومة :

التغافر والتغافل عن الأخطاء بين الأحباب ضرورة حتى لا نقع في مذمة الجدال والمراء والخصومة ، قال الإمام النووي – رحمه الله : ( مما يذم من الألفاظ المراء , والجدال , والخصومة  ) .
والمراء كما عرفه الإمام أبو حامد الغزالي : هو طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه , لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه .
ولكون ترك المراء شاق على النفوس التي اعتادته ، فقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم من تركه بهذه البشارة العظيمة : فقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا ) رواه أبو داود وحسنه الألباني .
الجدال المذموم الذي يكون على وجه الغلبة والخصومة والانتصار للنفس ونحو ذلك ، كقوله -صلى الله عليه وسلم : ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل ) ، ثم تلا قوله تعالى ( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) أخرجه الترمذي .
وقال الأوزاعي : ( إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ، ومنعهم العمل ) .
وقال محمد بن علي بن حسين – ( الخصومة تمحق الدين ، وتنبت الشحناء في صدور الرجال .

د - سلامة الصدر تجاه المؤمنين  :

التغافر والتغافل عن الأخطاء بين الأحباب ضرورة لسلامة الصدر ونقاء القلب، امتلاؤه إيمانًا ويقينًا وتقوى ومحبة ورحمة ، وخُلوُّه من كل غلٍّ وحسد وحقد على المسلمين.
والصدر السليم هو الذي لا غشَّ فيه، ولا غلَّ فيه، ولا حقد فيه، ولا حسد فيه، ولا ضغينة فيه، ولا كراهية ولا بغضاء فيه لأحد من المسلمين.
وقال الفضيل بن عياض : ( لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صلاة ولا صيام ، وإنما أدرك بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للأمة )

.
رابعا : من ثمرات التغافر والتغافل :

أ - الستر وعدم الإشاعة :

التغافر والتغافل وسيلة فعالة لستر العيوب والأخطاء ، وغلق أبواب الإشاعات المغرضة وحماية أعراض المؤمنين ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" رواه البخاري  .
ومن الستر بيان الأخطاء دون التعرف للأشخاص ما أمكن ذلك ، ومن ذلك حديث القبرين اللذين مر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير" رواه البخاري ، فلم يذكر اسمي الرجلين ، بل أشار إلى ما وقعا فيه من الخطأ محذراً من ذلك ، فحصل المقصود والغرض .
ومن الستر أيضا استخدام أسلوب التعريض وعدم فضح صاحب الخطأ ، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ) أخرجه البخاري  .

ب - تحول العداوة إلى صداقة  :

إنّ مجتمع المؤمنين لا ينبغي أن تقوم فيه المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات، والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة. وإنما ينبغي أن تقوم فيه المعاملة على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الشرع، وحثّ عليه رب العالمين: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فصلت: 34، 35 .

ج - العفو والصفح :

العفو : التجاوز وترك الانتقام ، والصفح : ترك التأنيب والعتاب .
العفو والصفح من ثمرات التغافر والتغافل ، وبهما تخلو القلوب من العداوة ويغيب تربَّص الفرصََ للانتقام ، فلا إضمار للشّرَّ لمن أساء ولا تكدر لعيشُة الأحباب ولا اضطراب لنفوسهم ولا وهنَ لأجسادهم ، ولا نيل من أعراضهم ، فلا مكان للمحبة والأخوة في الله تعالى إلا بسلامةِ القلب من وسَاوس الضغينة وغواشي الغِلّ ونيران العداوة وحسائِك الحقد .
قال الله تعالى : ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ الأعراف: 199 .
وقال سبحانه ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ البقرة: 109 .
 وقال الله تعالى أيضا : ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ المائدة: 13 .
وقال الله تعالى أيضا : ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾  الحجر: 85.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

مراقبة الله ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي

مراقبة الله مفهومها ، ورودها في القرآن والسنة ، درجاتها ، فضلها ، وكيفية تحقيقها ، والطريق اليها ، قصص حولها .

المراقبة لغة:

مصدر مأخوذ من راقب يراقب مراقبة، وتدل على الانتصاب لمراعاة الشيء.
والرقيب : الحافظ .
وراقب الله في أمره : أي خافه.

المراقبة شرعا :

قال المحاسبي: ( المراقبة دوام علم القلب بعلم الله عز وجل في السكون والحركة علماً لازماً مقترناً بصفاء اليقين ) .

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:
 المراقبة : هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه ،
فاستدامته لهذا العلم، واليقين بذلك هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، مطلع على عمله.
ومن راقب الله في خواطره ؛ عصمه الله في حركات جوارحه ..

ثانيا : المراقبة في الكتاب والسنة :

أ- في القرآن الكريم  :

 1 . قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} سورة آل عمران : 5.
2 . وقال سبحانه : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ٌ} سورة الحديد : 4.
3 . وقال سبحانه : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } سورة غافر : 19 .
4 . وقال سبحانه : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} سورة البقرة: 235 .
5 . وقال سبحانه : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا } سورة الأحزاب : 52.
6 . وقال سبحانه : { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ٰ} سورة العلق: 14 .

ب - في السنة النبوية  :

1 .  عن معاذ رضي الله عنه قال يا رسول الله أوصني { قال اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا وأشار بيده إلى لسانه } قال الألباني صحيح لغيره .

2 . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " متفق علي  رواه البخاري .
وإذا نظرت إلى هؤلاء السبعة تجد أن الشيء المشترك والوصف الذي تحقق فيهم جميعاً هو المراقبة لله تبارك وتعالى.

3 . في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم؛ كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) رواه البخاري .

ثالثاً:  درجات المراقبة:

أ - الدرجة الأولى: استدامة السير إلى الله والقرب إليه مع الأنس والسرور به:

قال ابن القيم في معرض شرحه لهذه الدرجة: "فإن الحضور يوجب أنساً ومحبة، وإن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجاً عن حدود العبودية ورعونة ، فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه ، والسقوط من عينه . وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم ، واللذة التي يجدها في تلك المداناة ، فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقُرّة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة... ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل، وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته" .

ب - الدرجة الثانية: مراقبة الله بصيانة الباطن والظاهر:

قال ابن القيم شارحاً لهذه الدرجة: "هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبة لصفة خاصة معينة، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة" .

ج- الدرجة الثالثة: مراقبة الله بشهود انفراده سبحانه بأزليته وحده، دوكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه:
قال ابن القيم مبينا معنى هذه الدرجة: "وهذا الشهود متعلّق بأسمائه وصفاته، وتقدُّم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي، فهذا الشهود يُعْطي إيماناً ومعرفة، وإثباتا للعلم والقدرة، والفعل، والقضاء والقدر .


رابعاً: فضيلة المراقبة:

أ - أن المراقبة سبب من أسباب دخول الجنة:

قال تعالى: {هَلْ جَزَاء ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ} [الرحمن:60].
قال ابن القيم مفسراً الآية: "الإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنك تراه... وفي الحديث إشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل، ومراقبته، ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان" .

ب - أن بها يكسب العبد رضا الله سبحانه :

قال تعالى: {رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ} [البينة:8].
قال أهل العلم: "ذلك لمن راقب ربه عز وجل، وحاسب نفسه وتزود لمعاده" .

ج - باعثة على المسارعة إلى الطاعات:

قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101].
قال القصري: "إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وسعه، فهذا حال المحب الذي يعبد الله كأنه يراه" .

د-  يحصل بها معية الله وتأييده:

قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل:128].
قال ابن كثير: "أي معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة" .

هـ-  معينه على ترك المعاصي والمنكرات:

قال ابن الجوزي: "فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط" .
وقال ابن القيم:  "فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته"[9].

و- من أفضل الطاعات وأعلاها:

قال ابن عطاء: "أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات".

ز- أنها من خصال الإيمان وثمراته:

قال القصري: "فأما كونه من الإيمان فبيّن؛ لأنه في نفسه تصديق بالنظر إلى الله في الحال، أو تصديق بأن الله ينظر إليه، إلا أنه ثمرة الإيمان، وأعلاه وخالصه" .

ح- بالمراقبة يسعد العبد، وتصلح أحواله في الدارين:

قال ابن علان: "فينبغي ألا يشتغل إلا بما فيه صلاحه معاشاً ومعاداً، بتحصيل ما لا بد منه في قوام البدن، وبقاء النوع الإنساني، ثم بالسعي في الكمالات العلمية، والفضائل العلية التي هي وسيلة لنيل السعادة الأبدية... وذلك إنما يكون بالمراقبة، ومعرفة أن فيما يأتيه بمرأى ومسمع من الله سبحانه وتعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من شأنه" .

خامساً: كيف تراقب الله؟:

أ- أن تنظر قبل العمل وأثناءه :

للمراقب أن ينظر قبل العمل الى همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس و الحق، فإن كان لله تعالى أمضاه، وإن كان لغير الله استحيا من الله، وانكف عنه، ثم لام نفسه على رغبته فيه، وهمه به، وميله إليه، وعرّفها سوء فِعْلها، وأنها عدوّة نفسها" .

ب-  أن تراقب الله قبل الهم بالمعصية فتكفّ عنها :

إن العبد مأمور بأن يعلم أن الله يراه، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه، ويبصرُه على أي حالة كان، وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور كفَّ عن المعصية ورجع عنها" .

ج- أن تراقب الله بعد الوقوع في المعاصي بالتوبة:

قال ابن القيم: "ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع" .

د- مراقبته في المباحات بشكره سبحانه على نعمه :

قال ابن القيم في مدارج السالكين : "ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم، فإنه لا يخلو العبد من نعمة لا بد له من الشكر عليها".

     سادساً: الطرق المعينة على المراقبة:

أ- التعبد لله بأسماء الله وصفاته العلى :

ومن المراقبة التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة" .
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء/1، وقال: ( إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) هود/57 ، وقال: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ [المجادلة/7]، وقال:  ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الإسراء/1 .

ب- قطع أشغال الدنيا عن القلب وتعاهده بالرعاية والعناية :

جاء في كتاب الوصايا : سئل المحاسبي: عن ما يوصل المرء إلى حالة المراقبة ، فأجاب : "قطع علائق الأشغال، ولزوم العلم، والتعاهد بالعناية والرعاية" .

ج- تعظيم الله سبحانه وتعالى :

إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه الحياء من الله، والهيبة له، فاستحى  أن يطلع الله على قلبه وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، تتحرك بما يكره، فطهّر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه" .

د- التفكر في أمور الآخرة:

 فإن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة من موت، وقبر، وحشر،... وعلى أنه معروض على الله في ذلك العالم ومواطنه؛ تهيأ لذلك العرض"

ه - العلم بشهادة الجوارح في الآخرة.

قال تعالى: }حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) 20 فصلت
وقال تعالى: }الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [يس/65].

و - العلم بشهادة الأرض بما عُمِل فوقها من المعاصي.

قال تعالى: ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا » رواه الترمذي.


سابعا : قصص في المراقبة :
جاء في  إحياء علوم الدين أن عبد الله بن دينار قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرّسنا في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال: فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تُعتقك في الآخرة .

سابعا قصة في المراقبة :
قصة عمر بن الخطاب حين كان يتفقد رعيته ليلاً، إذ مر على باب من أبواب بيوت المدينة، فسمع امرأة تهيئ اللبن لتبيعه نهارًا، فخلطته بالماء، فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر نهانا أن نخلط الماء باللبن، فقالت لها أمها: ولكن عمر لا يرانا الآن، فقالت الفتاة المؤمنة: ولكن رب عمر يرانا.

قصة أخرى :
قصة عمر بن الخطاب حين كان يتفقد رعيته ليلاً، إذ مر على باب من أبواب بيوت المدينة، فسمع امرأة تهيئ اللبن لتبيعه نهارًا، فخلطته بالماء، فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر نهانا أن نخلط الماء باللبن، فقالت لها أمها: ولكن عمر لا يرانا الآن، فقالت الفتاة المؤمنة: ولكن رب عمر يرانا.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

الكلمة الطيبة رسالة إعداد : محمد أبوغدير المحامي

قال الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ إبراهيم: 24-26 .

الكلمة الطيبة رسالة : تزكو بها الأنفس والأرواح ويفتح الله بها قلوب عباده ، والكلمة دعوة إلى الله : فهي أحسن ما يقال في الأرض ويصعد إلى السماء ، والكلمة الطيبة إصلاح وجهاد : فهي معراج للطهر وسبيل إلى الصلاح وأفضل جهاد في مواجهة السلطان الظالم ،
والكلمة أمانة وشهادة : فهي السبيل لوصول الولاية لمن يستحقها عبر صندوق الانتخاب فبها لا  يصل إلى الولاية إلا مستحقيها فالناخب إما أن يكون شاهد حق ، أو شاهدة زور ، ومن ثم فمن حقوق الناخب : أن يعرفة المهمة التي التي يقوم بها للمرشح حال فوزه و من واجب العلم بشخصية المرشح وسماته قبل إنتخابه .
وبيان ذلك في الصفحات الآتية :


أولا : الكلمة الطيبة تزكية للنفس ودعوة للغير :

أ - الكلمة تزكية للنفس  :

فالكلمة الطيبة تخرج من لسان العبد الصالح تكون عنوانه ودليله ولباسه الساتر وجماله الظاهر وعطره الفواح ، فيفتح الله بها قلوب العباد وتزكو بها أرواحهم .
والكلمة الطيبة ذكر لله تعالى وتسبيح وتهليل وتكبير، وحمد ودعاء، وشكر وقراءة قرآن ، وعلم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصيحة نافعة، وغير ذلك من العبادات القولية.
قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ فاطر: 10
والمؤمن الحق يعلم أن سلامة إيمانه مرتبط بنزاهة لسانه قال صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري ومسلم .
ويقول صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً من رضوان الله يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم ) رواه البخاري ومسلم .

ب - الكلمة الحسنة دعوة إلى الله :

قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 33) سورة فصلت
وكلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال في الأرض ، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء . ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ؛ ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات . فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ .
والكلمة الطيبة الخالية من السباب وتجريح الأعراض، وإيذاء الأسماع وإيلام القلوب ووغر الصدور تنزع العداوة من القلوب وتزرع المحبة والولاية بين المؤمنين ، قال الله تعالى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) 34 سورة فصلت
وليس للداعية أن يرد بالسيئة ، فإن الحسنة لا يستوي أثرها كما لا تستوي قيمتها مع السيئة والصبر والتسامح ، والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر ، يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة ، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ، ومن الجماح إلى اللين .

ثانيا : الكلمة الطيبة إصلاح وجهاد :

.
أ - الكلمة منهج إصلاح :

والمؤمن الحق يشعر بقيمة كلمته فهي معراج للطهر وسبيل إلى الصلاح والإصلاح في الدنيا ، والفوز والنجاة في الآخرة ، يقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا ) سورة الأحزاب: الآيتان 70-71 .
وللكلمة الطيبة قوة عظيمة في الانتصار على النفس خاصة عند الخصام والجدال والعداوة حينما تصدر من المؤمن القوي الحق الذي ينتصر على نفسه. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم  ) :ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ( متفق عليه  .
والكلمة الطيبة لها آثارها الحسنة العاجلة والآجلة على صاحبها وعلى من بلغته ، فكم من كلمة طيبة غيرت مجتمعاً من الشر إلى الخير ، ومن الذل إلى العز، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة.

ب - الكلمة أفضل جهاد :

إن كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قيلت في مواجهة صاحب السلطان فقد يتعرض من قالها للأذى والهلاك ، لذلك كان أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف .
أخرج الإمام أحمد في مسنده : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل قال : ( كلمة حق عند سلطان جائر ( .
وإنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير ، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير ، وإن مات فى سبيلها فهو سيد الشهداء كقوله صلى الله عليه وسلم ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله )

.
ثالثا : الكلمة أمانة وشهادة :

من أعظم الأمانات ولاية أمور الناس ، وقد تكون الولاية عامة وضخمة كرئيس الدولة الذي يحكم أو البرلمان الذي يسن التشريعات والقوانين ، وقد تكون الولاية خاصة وبسيطة كاختيار مجلس إدارة نادي أو جمعية .
ومن الأمانة أن تعطى الولاية لمن يستحقها من أهلها ، وتستحق هذه الولاية بكلمة يدلي بها الناخب في انتخاب يشهد بها على كفاءة المرشح على تولي الولاية ، لذلك كانت الانتخابات أمانة وشهادة .

أ - معنى الانتخاب :

 1 . الانتخابات لغة :
انتخب الشيءَ : اختارَه.
ونُخْبةُ القَوم ونُخَبَتُهم : خِيارُهم.

2 .  الانتخابات اصطلاحا :
هي تلك العملية التي بواسطتها يقوم المواطنون باختيار ممثليهم لاستلام مناصب السلطة التشريعية أو التنفيذية أو المؤسسات المحلية، وذلك من خلال التصويت .

3 . والتصويت :
هو قيام الفرد باختيار أحد المرشحين لتمثيله في الهيئات المنتخبة التي تتولى إعداد القوانين أو في بعض مناصب اتخاذ القرارات.

ب - الانتخابات أمانة :

قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء :58 .
والانتخاب أمانة للناخبين كي يولوا هذه الولايات مستحقيها ، ممن هم كفؤ لها ، فإن الناخب أعطي هذه الأمانة وهي تولية من يعتقد أنه الأصلح للمنصب الذي ينتخب له ، وعلى الناخب أن يؤدي الأمانة ولا يضيعها .
سأل أبو ذر الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فكان الجواب صريحا وواضحا قال صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها )   .
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن يزيد بن أبي سفيان قال : قال لي أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، ذلك أكثر ما أخاف عليك ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم  ) .
وأخرج الشيخان عن معقل قال : سمعت رسول الله يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
وفي كتاب السياسة الشرعية يقول ابن تيمية رحمه الله : فليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجودة من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذ الولاية بحقها ، فقد أدى الأمانـة وقام بالواجب في هذا  .

ج - الانتخـاب شهادة  :

الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ، لقول ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( أترى الشمس ؟ قال نعم ، فقال : على مثلها فاشهد ، أو دع ) رواه
والشهادة أمر خطير دنيا ودينا ، لذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في شهادة الزور ، وجعلها صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر فقال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) رواه مسلم .
فكلمة الناخب إما أن تكون شهادة حق ، أو شهادة زور ، فإذا تحققت شروط الناخب ، وأدى الشهادة كما يرضي الله ورسوله فهذه شهادة حق يثاب عليها حال إدلائه بصوته ، وتبقى صدقة جارية يثاب هذا الناخب على كل عمل خير يقوم به هذا المرشح بعد فوزه .
أما إذا أعطى صوته لمرشح ليس كفئاً ، وكان بين المرشحين من هو أرضى منه لله ورسوله ، فهذا الانتخاب شهادة زور والعياذ بالله ، وقد سبق تشديد الوعيد لشهادة الزور ، وأنها تعدل الشرك بالله .

د - حق الناخب وواجبه  :

1 .  الحق في معرفة المهمة التي يرشح لها :
فمن حق الناخب على الجهة المشرفة على الانتخاب أن تحيطه علما بالمهام والواجبات التي تقع على عاتق من يشغل الموقع المرشح له ، وكذلك بيان دوره في المجتمع وأهميته .

2 .  واجب العلم بشخصية المرشح وسماته :
ولقد لخص القرآن الكريم السمات العامة للمسئول في القوة والأمانة حال ذكر حكاية عن بنت الرجل الصالح شعيب ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص : 26 .
ومن ثم ينبغي أن تتوفر في المراد انتخابه ثلاث صفات رئيسة هي :
 * أن يكون لديه معرفة وإلمام بالحاجات المرتبطة بالناس وبالقوانين الخاصة بالشأن المرشح له حتى يتمكن من أداء دوره بنجاح.
 * أن يمتلك القوة والجرأة التي تمكنه من الدفاع عن حقوق المواطنين ضمن إطارها الطبيعي.
 * أن يكون لديه شعور بالمسؤولية تجاه الناس الوطن ، والأمانة المانعة من أن يستغل الموقع لمصالحه الشخصية .
وعليه يجب على الناخب أن يتحقق من وجود تلك السمات في شخصية المرشح حتى ينتخبه .

3 .  وسؤال أهـل الـذكر إن كان لا يعلم :
بهذا العلم يتمكن الناخب من المقارنة بين المرشحين ، ويعرف الأفضل منهم والأرضى لله ورسوله فينتخبه أو يشهده بأنه هو الأصلح لهذه المهمة ، وعندئذ تكون شهادته صحيحة ، وموافقة للشرع .
أما إذا كان الناخب لا يقدر على أداء الشهادة صحيحة على النحو السالف بيانه ، لكونه لا يعرف المرشحين ، فيتعين عليه أن يسأل عنهم من يثق بدينهم وعلمهم ليعرف من هو الأرضى لله ورسوله فيقدم له صوته .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من استعمل رجلا ً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) رواه الحاكم3 والتصويت :
هو قيام الفرد باختيار أحد المرشحين لتمثيله في الهيئات المنتخبة التي تتولى إعداد القوانين أو في بعض مناصب اتخاذ القرارات.

ب - الانتخابات أمانة :

قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء :58 .
والانتخاب أمانة للناخبين كي يولوا هذه الولايات مستحقيها ، ممن هم كفؤ لها ، فإن الناخب أعطي هذه الأمانة وهي تولية من يعتقد أنه الأصلح للمنصب الذي ينتخب له ، وعلى الناخب أن يؤدي الأمانة ولا يضيعها .
سأل أبو ذر الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فكان الجواب صريحا وواضحا قال صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها )   .
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن يزيد بن أبي سفيان قال : قال لي أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، ذلك أكثر ما أخاف عليك ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم  ) .
وأخرج الشيخان عن معقل قال : سمعت رسول الله يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
وفي كتاب السياسة الشرعية يقول ابن تيمية رحمه الله : فليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجودة من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذ الولاية بحقها ، فقد أدى الأمانـة وقام بالواجب في هذا  .

ج - الانتخـاب شهادة  :

الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ، لقول ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( أترى الشمس ؟ قال نعم ، فقال : على مثلها فاشهد ، أو دع ) رواه
والشهادة أمر خطير دنيا ودينا ، لذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في شهادة الزور ، وجعلها صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر فقال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) رواه مسلم .
فكلمة الناخب إما أن تكون شهادة حق ، أو شهادة زور ، فإذا تحققت شروط الناخب ، وأدى الشهادة كما يرضي الله ورسوله فهذه شهادة حق يثاب عليها حال إدلائه بصوته ، وتبقى صدقة جارية يثاب هذا الناخب على كل عمل خير يقوم به هذا المرشح بعد فوزه .
أما إذا أعطى صوته لمرشح ليس كفئاً ، وكان بين المرشحين من هو أرضى منه لله ورسوله ، فهذا الانتخاب شهادة زور والعياذ بالله ، وقد سبق تشديد الوعيد لشهادة الزور ، وأنها تعدل الشرك بالله .

د - حق الناخب وواجبه  :

. 1  الحق في معرفة المهمة التي يرشح لها :
فمن حق الناخب على الجهة المشرفة على الانتخاب أن تحيطه علما بالمهام والواجبات التي تقع على عاتق من يشغل الموقع المرشح له ، وكذلك بيان دوره في المجتمع وأهميته .

. 2  واجب العلم بشخصية المرشح وسماته :
ولقد لخص القرآن الكريم السمات العامة للمسئول في القوة والأمانة حال ذكر حكاية عن بنت الرجل الصالح شعيب ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص : 26 .
ومن ثم ينبغي أن تتوفر في المراد انتخابه ثلاث صفات رئيسة هي :
 * أن يكون لديه معرفة وإلمام بالحاجات المرتبطة بالناس وبالقوانين الخاصة بالشأن المرشح له حتى يتمكن من أداء دوره بنجاح.
 * أن يمتلك القوة والجرأة التي تمكنه من الدفاع عن حقوق المواطنين ضمن إطارها الطبيعي.
 * أن يكون لديه شعور بالمسؤولية تجاه الناس الوطن ، والأمانة المانعة من أن يستغل الموقع لمصالحه الشخصية .
وعليه يجب على الناخب أن يتحقق من وجود تلك السمات في شخصية المرشح حتى ينتخبه .

 . 3 وسؤال أهـل الـذكر إن كان لا يعلم :
بهذا العلم يتمكن الناخب من المقارنة بين المرشحين ، ويعرف الأفضل منهم والأرضى لله ورسوله فينتخبه أو يشهده بأنه هو الأصلح لهذه المهمة ، وعندئذ تكون شهادته صحيحة ، وموافقة للشرع .
أما إذا كان الناخب لا يقدر على أداء الشهادة صحيحة على النحو السالف بيانه ، لكونه لا يعرف المرشحين ، فيتعين عليه أن يسأل عنهم من يثق بدينهم وعلمهم ليعرف من هو الأرضى لله ورسوله فيقدم له صوته .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من استعمل رجلا ً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) رواه الحاكم

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

الجهاد في سبيل الله ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي


تعريف الجهاد لغة واصطلاحا ، ومفهومه الواسع ، والقتال في الإسلام ، أهداف وغايات الجهاد ، التربية الجهادية .


أولا : تعريف الجهاد لغة واصطلاحا :

الجهاد في اللغة :
بذل ما في الوسع من القول والفعل
فتعريف الجهاد لغة يطل على بذل الطاقة أو الوسع أو المشقة .

تعريف الجهاد شرعًا :

1 . عرف الإمام ابن تيمية الجهاد بأنه : ( بذل الوسع والقدرة في حصول محبوب الحق ، ودفع ما يكرهه) ، وقال أيضًا : ( هو الاجتهاد في حصول ما يحبه من الإيمان ، والعمل الصالح ، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان .

2 . قال الكاساني : ( الجهاد في عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله - عز وجل - بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك  .

3 . قال الحافظ ابن حجر : ( بذل الجهد في قتال الكفار )

4 . يقول الإمام البنا في رسالة التعاليم: وأريد بالجهاد: الفريضةَ الماضية إلى يوم القيامة، والمقصودَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية )
وأول مراتبه إنكار القلب ، وأعلاها القتال في سبيل الله ، وبين ذلك : جهاد اللسان والقلم واليد ، وكلمة الحق عند السلطان الجائر
ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها ، وجزالة الثواب للعاملين فيها  ، قال الله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) الحج- 78 ،وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم : الجهاد سبيلنا . :



من آيات الجهاد في الإسلام

قال الله تعالى : (  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون(  حجرات : 15 قال الله تعالى :  قال الله تعالى : (  ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) محمد : 31
قال الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة:216).
قال الله تعالى : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء:74).
قال الله تعالى :  (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران/171:169).
قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ)(الصف:4).


ثانيا : أهداف وغايات الجهاد :

أ - هداية الناس إلى الحق :

لأجل أن يعبد الله وحده ، وأن يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان، يقول عليه الصلاة والسلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله
والجهاد سبيل لإعلاء كلمة الله ، وإزالة الشرك والكفر ، قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: 39

ب -  رفع الظلم عن المظلومين ونصرهم  :

قال تعالى : وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) النساء: 75 .

جـ -  حفظ الإسلام والدفاع عن الأوطان والأعراض والأموال ورد العدوان :

وفي هذه الحالة يتعين الجهاد على أهل البلد المعتدى عليهم ، قال الله تعالى : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) البقرة: 194 .

د – التمكين لدين الله وإقامة الخلافة الإسلامية  :

إن دعوة الإسلام تسعى إلى التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة وجمْعَ الأمَّة تحت سُلطان واحد يَحكمُهم بشِرعة الله على منهاج النُّبوَّة ، وذلك واجب كلُّ مسلِمٍ في هذه الحياة ، قال الله تعالى}:   وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ{ المؤمنون:51]، وقال:  }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا { آل عمران:103
ولا شك أن هذه الدعوة تواجه كل يوم مكر الأعداء وكيد العملاء ، وانحراف القادة والرؤساء ، وهذه القوى تمتلك كل أسباب القهر والتنكيل والإبادة ، وتحقيقه هدف التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة يحتاج إلى حركة أعدت نفسها للجهاد الطويل والمرير ولكل أنواع المعاناة والمواجهات .


ثالثا المفهوم الواسع للجهاد :


أ - أنواع الجهاد ومراتبه عند الإمام ابن القيم  :

ويقول الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد: الجهاد على أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

1 . فجهاد النفس :
وهو أيضا على أربع مراتب:
أن يجاهدها على تعلم الهدى ، وعلى العمل به بعد علمه ، وعلى الدعوة إليه ، وعلى الصبر على مشاق الدعوة ،
فإذا استكمل المسلم هذه الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به، ويعلمه، ويدعو إليه.

2 . وجهاد الشيطان :
 وهو على مرتبتين :
جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات ، وجهاده على دفع ما يلقي من الشهوات .
فالأول يكون بعدة اليقين، والثاني يكون بعدة الصبر، قال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون السجدة- 24 .

3 . وجهاد الكفار والمنافقين :
وهو أربع مراتب:
بالقلب . واللسان . والمال . والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وجهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث مراتب:
• الأولى باليد إذا قدر،
• فإن عجز انتقل إلى اللسان،
• فأن عجز جاهد بقلبه.


رابعا : الجهاد القتالي في الإسلام :

أ - الجهاد القتالي حفظ لهويَّة الأمَّة وكيانِها :

أنَّ الحرب في الإسلام ليستْ عدوانيَّة، ولا استِفْزازيَّة، ولا همجيَّة، ولكنَّها للدِّفاع عن الدِّين والبلاد، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في أيِّ دولةٍ كانت؛ وذلك أنَّ الإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلَّها دارًا واحدةً وبلدًا واحدًا، يَجب حمايتُه والجهاد دونه إن كان دارَ عدْل بيد المسلمين، ويجب استِرْداده إن كان مسلوبًا .

ب - حالات الجهاد القتالي في الإسلام :

1 .أنَّ الإسلام أجاز الجِهاد القتالي في حالتين اثْنتَين فقط :
حالة الدِّفاع عن النَّفس وعن الدِّين وعن حريَّة العقيدة ؛ قال الحق - سبحانه وتعالى -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ سورة الحج: 40 - 41..

2 . وحالة دفْع العدْوان وردّ اعتِداء المعتَدين بالقدر اللازم دون مجازاة أو تنكيل ، ورفْع الظُّلْم عن المستضعفين، وإقامة العدْل في الأرض؛ قال الله - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ سورة البقرة: من الآية 194 ، وقال - جلَّ وعلا -: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ سورة البقرة: 190 .


خامسا : التربية الجهادية :

أ - الإسلام دعوة جهادية :

تحت هذا العنوان من كتاب أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي ذكر الأستاذ فتحي يكن أنه :

1 . الإسلام دعوة جهادية ماضية في مواجهة الباطل وإحقاق الحق إلى أن تقوم الساعة : وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول : (  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) رواه الشيخان .

2 .  طبيعته عدم مهادنة الجاهلية أو التعايش معها أو مساومتها أو تقديم تنازلات لها : قال الله تعالى :  ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء : 214  .

3 . لا يرضى لأتباعه الدنية في شيء ولا يقبل لهم الذل والهوان في أمر قال الله تعالى : (  ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } المنافقون : 8   ، وقال الله تعالى : (  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ) الفتح : 29.

4 . ثم إن الإسلام يعتبر الجهاد طريق المؤمنين إلى الجنة ، وسبيلهم إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ ونعيم الآخرة ، وإن ترك الجهاد والتخلي عنه يورث الذل والخنوع والهوان ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) رواه الشيخان وأبو داود .


ب - الجماعة المسلمة حركة جهادية :

والمسلمون الأولون عرفوا أنهم أمة جهاد وحركة جهاد فعاشوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، يقولون الحق ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون العدل ، ولا يخشون في الله لومة لائم .

يصف الله تعالى في القرآن الجماعة المسلمة بقوله:  (  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون(  حجرات : 15 قال الله تعالى :  (  ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) محمد : 31

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) رواه الشيخان، ويقول أيضا :  )  لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها ) رواه ابن ماجة .

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) للحاكم في المستدرك


ج - مهام التربية الجهادية :

إن التربية الجهادية توجب إعطاء مساحة أكبر من الاهتمام بأمرين أساسيين :
1 . الاهتمام بالنفس بربطها بالله والشوق إلى لقائه والموت في سبيله ، وبالتالي صونها عن كل ما يركن بها إلى الأرض وشهواتها ، ولو كان حلالاً طيبًا ، وبذلك تكون نفسًا مجاهدة .

2 . الاهتمام بالجسد ليكون معافى قويًّا يمتلك كل إمكانات الدفاع والهجوم وخبرات الدفاع والهجوم ، وبخاصة في عصر تعددت فيه هذه الخبرات والعلوم ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم )


د - مراحل التربية على الجهاد :

 التربية على الجهاد تستوجب مرور الأخ بالمراحل الآتية :

1 . عاطفة حية قوية :
تفيض حنانا إلى عز الإسلام ومجده، وتهفو شوقا إلى سلطانه وقوته، وتبكي حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألما على هذا الحال الذي لا يرضي الله ولا يرضي محمداصلى الله عليه وسلم ولا يرضي نفسا مسلمة، وقلبا مؤمنا، (ومن لم  يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).

2 · هم الدائم :
 المؤدي الى التفكير الجدي في طريق النجاة، وتلمس سبيل الخلاص :
وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل، وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذا، ونية المرء خير من عمله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

3 ·  مشاركة إيجابية :
بأن تنزل عن بعض وقتك، وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني المسلمين فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير، وكلا وعد الله الحسنى . الحديد- 10.

4 · صبر وتضحية :
بأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر وأن تنصح لله ورسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، إلا خذلوا، {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون  المائدة - 79.

5 · رفض وعداء للواقع المضاد :
أن تتنكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من عادى الله ورسوله، فلا يكون بينك وبينه صلة ولا معاملة، ولا مؤاكلة ولا مشاربة، وأن تعمل على إقامة ميزان العدل، وإصلاح شؤون الخلق، وإنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه.

6 · جندية كاملة لله تعالى :
وأن تقف لله نفسك ومالك ، لا تبقي على ذلك من شيء، فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامة الإسلام، ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام، كنت أول مجيب للنداء، وأول متقدم للجهاد : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم التوبة-111.
جاء في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر)  البخاري.
وجاء أيضا: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ابن ماجه بإسناد صحيح .

7 · إذا لم تصل به إلى درجة  المجاهد فليكن محبا للمجاهدين :
 إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله: أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر، وآخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع الله على قلبك، ويؤاخذك أشد المؤاخذة. قال تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا ألاّ يجدوا ما ينفقون. إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون التوبة-  ( 91-93)..

الجهاد في سبيل الله ، تعريف الجهاد لغة واصطلاحا ، ومفهومه الواسع ، والقتال في الإسلام ، أهداف وغايات الجهاد ، التربية الجهادية . إعداد : محمد أبوغدير المحامي



أولا : تعريف الجهاد لغة واصطلاحا :

الجهاد في اللغة :

بذل ما في الوسع من القول والفعل
فتعريف الجهاد لغة يطل على بذل الطاقة أو الوسع أو المشقة .

تعريف الجهاد شرعًا :

عرف الإمام ابن تيمية الجهاد بأنه : ( بذل الوسع والقدرة في حصول محبوب الحق ، ودفع ما يكرهه) ، وقال أيضًا : ( هو الاجتهاد في حصول ما يحبه من الإيمان ، والعمل الصالح ، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان .

قال الكاساني : ( الجهاد في عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله - عز وجل - بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك  .

قال الحافظ ابن حجر : ( بذل الجهد في قتال الكفار )
وبهذا يتضح أن الجهاد في تعريفه الشرعي عند العلماء لا ينحصر عند الفقهاء في قتال الكفار ، وإنما يتسع ليشمل جهاد المنافقين ، وجهاد النفس ، وليدخل فيه الجهاد باليد واللسان والقلب .


ثانيا : المفهوم الواسع للجهاد :


أ - أنواع الجهاد ومراتبه عند الإمام ابن القيم  :

ويقول الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد: الجهاد على أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

1 . فجهاد النفس :
وهو أيضا على أربع مراتب:
أن يجاهدها على تعلم الهدى ، وعلى العمل به بعد علمه ، وعلى الدعوة إليه ، وعلى الصبر على مشاق الدعوة ،
فإذا استكمل المسلم هذه الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به، ويعلمه، ويدعو إليه.

2 . وجهاد الشيطان :
 وهو على مرتبتين :
جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات ، وجهاده على دفع ما يلقي من الشهوات .
فالأول يكون بعدة اليقين، والثاني يكون بعدة الصبر، قال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون السجدة- 24 .

3 . وجهاد الكفار والمنافقين :
وهو أربع مراتب:
بالقلب . واللسان . والمال . والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وجهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث مراتب:
• الأولى باليد إذا قدر،
• فإن عجز انتقل إلى اللسان،
• فأن عجز جاهد بقلبه.


ب - مظاهر أخرى للجهاد عند الإمام حسن البنا :

يقول في رسالة التعاليم: وأريد بالجهاد: الفريضةَ الماضية إلى يوم القيامة، والمقصودَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية )
وأول مراتبه إنكار القلب ، وأعلاها القتال في سبيل الله ، وبين ذلك : جهاد اللسان والقلم واليد ، وكلمة الحق عند السلطان الجائر
ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها ، وجزالة الثواب للعاملين فيها  ، قال الله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) الحج- 78 ،وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم : الجهاد سبيلنا .

واتساقا مع هذا الفهم الأصيل الواسع لمعنى الجهاد وأنواعه كتب الإمام حسن البنا في رسالة هل نحن قوم عمليون فقال:
1. فالجهاد في الإسلام عاطفة حية قوية، تفيض حنانا إلى عز الإسلام ومجده :
تهفو شوقا إلى سلطانه وقوته، وتبكي حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألما على هذا الحال الذي لا يرضي الله ولا يرضي محمدا صلى الله عليه وسلم ولا يرضي نفسا مسلمة، وقلبا مؤمنا، (ومن لم  يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).
2. فمن الجهاد في الإسلام  أن يحملك هذا الهم الدائم والجوى اللاحق على التفكير الجدي في طريق النجاة :
 وتلمس سبيل الخلاص، وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل، وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذا، ونية المرء خير من عمله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
3. ومن الجهاد في الإسلام :أن تنزل عن بعض وقتك، وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني المسلمين :
فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير، وكلا وعد الله الحسنى . الحديد- 10.
4.   ومن الجهاد في الإسلام : أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر وأن تنصح لله ورسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم:
وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، إلا خذلوا، {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون  المائدة - 79.
5.  ومن الجهاد في الإسلام : أن تتنكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من عادى الله ورسوله :
فلا يكون بينك وبينه صلة ولا معاملة، ولا مؤاكلة ولا مشاربة، وفي الحديث (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) أبو داود.
6.  ومن الجهاد في الإسلام : أن تكون جنديا لله، تقف له نفسك ومالك، لا   تبقي على ذلك من شيء :
 فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامة الإسلام ، ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام، كنت أول مجيب للنداء، وأول متقدم للجهاد ، قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم ) التوبة-111.
7. ومن الجهاد في الإسلام : أن تعمل على إقامة ميزان العدل :
 وإصلاح شؤون الخلق، وإنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه.
جاء في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر)  البخاري.
وجاء أيضا: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ابن ماجه بإسناد صحيح .
8.  ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله : أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك :
وقد كتب الله لك بذلك الأجر، وأخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع الله على قلبك، ويؤاخذك أشد المؤاخذة. قال تعالى: (  ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا ألاّ يجدوا ما ينفقون. إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) التوبة-  ( 91-93)..


ثالثا : الجهاد القتالي في الإسلام :

أ - الجهاد القتالي حفظ لهويَّة الأمَّة وكيانِها :

أنَّ الحرب في الإسلام ليستْ عدوانيَّة، ولا استِفْزازيَّة، ولا همجيَّة، ولكنَّها للدِّفاع عن الدِّين والبلاد، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في أيِّ دولةٍ كانت؛ وذلك أنَّ الإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلَّها دارًا واحدةً وبلدًا واحدًا، يَجب حمايتُه والجهاد دونه إن كان دارَ عدْل بيد المسلمين، ويجب استِرْداده إن كان مسلوبًا، كما يَعتبر المسلمين جميعًا أمَّة واحدة يَجب الدِّفاع عنْهم لاستِنقاذ المستضعفين وحمايتهم في أيِّ بلد أو دولة .

ويقول الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه الجهاد في الإسلام، إنَّ الجهاد القتالي في حقيقته هو الحصْن الَّذي لا بدَّ منه لحفظ هويَّة الأمَّة وكيانِها، لا مندوحة عنه لنجاح مسعاها الَّذي كلَّفها به الله - عزَّ وجلَّ - نحو إنشاء حضارة إنسانيَّة عادلة، تكلأُ الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، وتقيه من الوقوع في مغبَّات منجزاته العلميَّة والحضاريَّة، تلك المغبَّات الَّتي من شأنِها أن تفسِد وتُشْقي بدلاً من أن تُصلح وتُسعد.


ب - حالات الجهاد القتالي في الإسلام :

1 .أنَّ الإسلام أجاز الجِهاد القتالي في حالتين اثْنتَين فقط :
حالة الدِّفاع عن النَّفس وعن الدِّين وعن حريَّة العقيدة ؛ قال الحق - سبحانه وتعالى -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ سورة الحج: 40 - 41..

2 . وحالة دفْع العدْوان وردّ اعتِداء المعتَدين بالقدر اللازم دون مجازاة أو تنكيل ، ورفْع الظُّلْم عن المستضعفين، وإقامة العدْل في الأرض؛ قال الله - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ سورة البقرة: من الآية 194 ، وقال - جلَّ وعلا -: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ سورة البقرة: 190 .


ج  - الجهاد القتالي للنبي صلى الله عليه وسلم :

ومَن تأمَّل في جهادِه - صلَّى الله عليْه وسلَّم – القِتالي، يجد أنَّه لم يرفع سيفَه إلاَّ إذا اضطرَّ إليْه نصرةً لكلمة الله ودفاعًا عن دين الله وعنِ المستضْعفين؛ وخير دليلٍ على هذا أنَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لم يقتُل بيده الشَّريفة إلاَّ رجُلا واحدًا وهو أُبي بن خلف يوم أُحُد، فما بُعث - عليْه صلوات ربّي وسلامه - للقتال، ولكن بُعث لتبْليغ الرِّسالة وهداية النَّاس أجْمعين، وما القِتال إلاَّ للدِّفاع عن الدَّعوة الإسلاميَّة وردّ الَّذين يقفون في وجهِها بالعداء والكيد، وصدق ربُّنا - تبارك وتعالى - الَّذي خاطب نبيَّه وصفوة خلقه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ سورة المائدة: 67.


الجهاد القتالي ليس بديلا عن الجهاد السياسي :

أنَّ الجهاد القتالي، إن تعيَّن، لا يقيل من الجهاد السياسي قبله وبعده، ولربَّما كان الجهاد السياسي التَّربوي البنائي أصعبَ منالا وأشْقى طريقًا، وأحْوج إلى خصال الصَّبر الطَّويل والمرابطة المستمرَّة والرِّفْق من القِتال الذي تهوِّنُ ريح الشَّهادة وكرامات التَّأْيِيد الإلهي فيه صبر ساعة وصبر الإصابة.
كلا الجهادين مِرْقاة إحسانيَّة ومدرسة تربويَّة، وامتحان يوشِّح القرآن وتوشح السنَّة صدور مستحقِّيه بأوسمة الفلاح الأبدي، وقد أصبح العالم كلُّه يُبصر ويسمع تميُّز الجهاد الإسلامي بالمضاء والعزيمة والقوَّة.



رابعا : أهداف وغايات الجهاد :


أ - هداية الناس إلى الحق :

لأجل أن يعبد الله وحده ، وأن يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان، يقول عليه الصلاة والسلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله
والجهاد سبيل لإعلاء كلمة الله ، وإزالة الشرك والكفر ، قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: 39

ب -  رفع الظلم عن المظلومين ونصرهم  :

قال تعالى : وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) النساء: 75 .

جـ -  حفظ الإسلام والدفاع عن الأوطان والأعراض والأموال ورد العدوان :

وفي هذه الحالة يتعين الجهاد على أهل البلد المعتدى عليهم ، قال الله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) البقرة: 194 .

د – التمكين لدين الله وإقامة الخلافة الإسلامية  :

إن دعوة الإسلام تسعى إلى التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة وجمْعَ الأمَّة تحت سُلطان واحد يَحكمُهم بشِرعة الله على منهاج النُّبوَّة ، وذلك واجب كلُّ مسلِمٍ في هذه الحياة ، قال الله تعالى}:   وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ{ المؤمنون:51]، وقال:  }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا { آل عمران:103
ولا شك أن هذه الدعوة تواجه كل يوم مكر الأعداء وكيد العملاء ، وانحراف القادة والرؤساء ، وهذه القوى تمتلك كل أسباب القهر والتنكيل والإبادة ، وتحقيقه هدف التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة يحتاج إلى حركة أعدت نفسها للجهاد الطويل والمرير ولكل أنواع المعاناة والمواجهات .


خامسا : التربية الجهادية :

أهداف وغايات الجهاد الضخمة السالف بيانها يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى  تربية جهادية  تخرج أنماطًا من المجاهدين ، يحبون الموت كما يحب الناس الحياة ، ويعيشون هم الإسلام وقضايا الإسلام ليلهم ونهارهم .
والتربية الجهادية ليست فقرة خاصة تضاف إلى منهج التربية في ظرف من الظروف أو في فترة من الفترات ، وإنما هي روح المنهج كله ، والسمة المشتركة بين جميع فقراته .
إن تحول حركات ( فكرية وتربوية ) علنية إلى حركات جهادية يحمل معه كثيرًا من المحاذير والأخطار ، في حين أن نشأة هذه الحركات على الأسس الجهادية ابتداء يجعلها أكثر أثرًا وأشد خطرًا على الكيانات الجاهلية ، وأقدر على اقتلاعها ، وإقامة البديل الإسلامي مكانها .

أ - الإسلام دعوة جهادية :

تحت هذا العنوان من كتاب أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي ذكر الأستاذ فتحي يكن أنه :
من صفات الإسلام الرئيسية أنه دعوة جهادية ماضية في مواجهة الباطل وإحقاق الحق إلى أن تقوم الساعة : وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول : (  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) رواه الشيخان .
فمن طبيعته عدم مهادنة الجاهلية أو التعايش معها أو مساومتها أو تقديم تنازلات لها : قال الله تعالى :  ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء : 214  .
ومن طبيعته أنه يرفض كل الحلول المطروحة ويعتبرها مشكلات وليست بحلول ، فهو لا يقبل مع الإسلام منهجًا غير منهجه ، ولا دينًا غير دينه ، ولا شرعة غير شرعته : قال الله تعالى :(  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) المائدة 3 ، وقال الله تعالى : ) ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين  (آل عمران : 19  .
ومن طبيعته أنه يجعل التشريع حق الله وحده ، ولا يقبل بالاحتكام لغير شرع الله ، ولهذا فهو يرفض التشريعات الوضعية جميعًا ، سواء كانت أجنبية أم عربية ، شرقية أم غربية : قال الله تعالى : ) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيرًا من الناس لفاسقون ، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون )  المائدة : 52  .
ومن طبيعته أنه لا يرضى لأتباعه الدنية في شيء ولا يقبل لهم الذل والهوان في أمر قال الله تعالى : (  ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } المنافقون : 8   ، وقال الله تعالى : (  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ) الفتح : 29.
ثم إن الإسلام يعتبر الجهاد طريق المؤمنين إلى الجنة ، وسبيلهم إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ ونعيم الآخرة ، وإن ترك الجهاد والتخلي عنه يورث الذل والخنوع والهوان ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) رواه الشيخان وأبو داود .

ب - الجماعة المسلمة حركة جهادية :

لم تكن الجماعة المسلمة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرسة فكرية أو فلسفية ) هدفها نشر الفكر والفلسفة بين الناس قبلوها أو رفضوها ، أو حتى تخريج مفكرين وفلاسفة ، ولم تكن فرقة صوفية تعيش معزولة عن دنيا الناس وصراعاتهم في أجواء الرياضة الروحية ، لا تدري ما يجري حولها من كيد للإسلام ، وتآمر عليه وتشويه لشخصيته ، واستئصال لوجوده ، حسبه منها صلاة وصوم وإنشاد .
فكتاب الله ـ تعالى ـ يصف الجماعة المسلمة بقوله:  (  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون(  حجرات : 15 قال الله تعالى :  (  ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) محمد : 31
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) رواه الشيخان، ويقول أيضا :  )  لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها ) رواه ابن ماجة .
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) للحاكم في المستدرك .
والمسلمون الأولون عرفوا أنهم أمة جهاد وحركة جهاد فعاشوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، يقولون الحق ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون العدل ، ولا يخشون في الله لومة لائم .

ج - ماذا نعني بالتربية الجهادية ؟

التربية الجهادية لا تعني بحال إسقاط جوانب التربية الأخرى من الحساب ، لا تعني التفرغ للتربية العسكرية وشئون القتال ، لا تعني إهمال التربية الروحية والفكرية وإغفال التربية السياسية والحركية ، إنما تعني تأصيل الروح الجهادية لدى الفرد والجماعة ، وجعل هذه الروح وشيجة الربط بين سائر الاهتمامات والعنوان الرئيسي لها ، تعني إيجاد الإنسان الذي يعيش من أجل الإسلام .. الإنسان الذي يدرك عظمة دوره وخطورته ودقته ، فهو لا يتوانى يهيئ نفسه ويستعد للقيام بهذا الدور على أكمل وجه .. الإنسان المعلق قلبه بالله وبالآخرة ، فهو لا يعيش لدنياه مقدمًا فضول الوقت والجهد لآخرته ودعوته .. الإنسان المتلهف إلى الشهادة في سبيل الله ، والذي يعيش حقيقة الشعار الذي يردده : ( الموت في سبيل الله أسمى أمانينا (.

إن التربية الجهادية هي التربية التي تجعل الإنسان كائنًا ما كان اختصاصه وعمله مجاهدًا في سبيل الله ، مسخرًا اختصاصه للجهاد في سبيل الله .. فهو عالم ومجاهد ، وهو طبيب ومجاهد ، وهو كاتب ومجاهد ، وهو مهندس ومجاهد ، وهو معلم ومجاهد ، وهكذا يكون الجهاد السمة المميزة والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعًا .

إن التربية الجهادية توجب إعطاء مساحة أكبر من الاهتمام بأمرين أساسيين :
أولاً : الاهتمام بالنفس بربطها بالله والشوق إلى لقائه والموت في سبيله ، وبالتالي صونها عن كل ما يركن بها إلى الأرض وشهواتها ، ولو كان حلالاً طيبًا ، وبذلك تكون نفسًا مجاهدة .

ثانيًا : الاهتمام بالجسد ليكون معافى قويًّا يمتلك كل إمكانات الدفاع والهجوم وخبرات الدفاع والهجوم ، وبخاصة في عصر تعددت فيه هذه الخبرات والعلوم ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم )

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

فقه محاسبة النفس إعداد : محمد أبوغدير المحامي

فقه محاسبة النفس

تعريف المحاسبة ، ومشروعيتها ، وأهميتها ،
وأنواعها وكيفيتها ، وثمراتها وسائل تنميتها ، وأسباب فقدانها  وآثارها .

إعداد : محمد أبوغدير المحامي

مقدمة
المؤمن يعلم علم اليقين أنه محاسب على القليل والكثير من الأعمال وإن خفيت ، وأن الله عز وجل لهم بالمرصاد ، وسيناقش في الحساب عن مثاقيل الذر من الخطرات واللحظات .
ويوقن – كذلك - أنه لا نجاة له إلا بلزوم محاسبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات .
فمَن حاسب نفسه قبل أن يُحاسب خفّ حسابه يوم القيامة، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته ، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.

والحديث عن محاسبة النفس يقتضي التعرض لتعريف المحاسبة ، ومشروعيتها ، وأهميتها ، وأنواعها وكيفيتها ، وثمراتها وسائل تنميتها ، وأسباب فقدانها  وآثارها ، ونبين ذلك بإيجاز في الآتي  :

أولا : تعريف المحاسبة :

قال الماوردي في معنى المحاسبة:
( أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل ).
.
وأما الحارث المحاسبي فقد عرّفها بقوله:
(هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله ـ عز وجل ـ جانبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله ـ عز وجل ـ ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه )

ثانيا : مشروعية المحاسبة :

جاءت نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح ترغب محاسبة النفس وترهيب في تركها، وبيان ذلك في الآتي :

أ - محاسبة النفس في القرآن الكريم :

. 1 يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) الحشر:18 ، قال ابن كثير في تفسيره: وقوله: وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم.

. 2 وقد قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (   الشمس:7-10 ، قال الإمام البدوي رحمه الله في تفسيره: قال الحسن: معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله عز وجل قَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا أهلكها وأضلها وحملها على المعصية.

ب - محاسبة النفس في السنة النبوية :

 . 1 روى رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله قال: ( الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ، ومعنى دان نفسه : أي حاسبها .

. 2 وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) الحاقة:18

ج - محاسبة النفس في أقوال الصحابة والسلف الصالح :

كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله : ( حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة )، أخرجه البيهقي وابن عساكر .
ونقل ابن القيم عن الحسن أنه قال: ( المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسـبة )

ثالثا : أهمية المحاسبة :

 - 1طريق لاستقامة القلوب وتزكية النفوس :

 فإن زكاتها وطهارتها موقوف على محاسبتها ، فبها تزكو تطهر.

 - 2أنها دليل على صلاح الإنسان وعلى خوفه من الله ؛ فبالخوف يحاسب تفسه و يعاتبها على تقصيرها .

 - 3أنها طريق للتوبة ؛ وذلك لأنه إذا حاسب نفسه أدرك تقصيره في جنب الله ، فقاده هذا إلى التوبة .

- 4 أنها طريق الراحة من محاسبة الله للعبد في يوم القيامة ، وإذا أهملها في الدنيا اشتد عليه الحساب يوم القيامة .

- 5 أنها طريق سكن الفردوس ، والنظر إلى وجه الرب سبحانه ، وتركها يؤدي به إلى دخول النار ، والحجاب عن الرب تعالى .

رابعا : أنواعها محاسبة النفس وكيفية :
النوع الأول - المحاسبة المطلقة :

وهي غير مقيدة بوقت أو بحالة ، بل تحدث يومياً ، في أول النهار يوصيها بالأعمال الصالحة وينهاها عن الأعمال السيئة ، فكأنه يضع لها جدول أعمال ينبغي تحقيقه ، ويمثل لنفسه أنه مات ثم يطلب أن يعاد إلى الدنيا ولو يوماً واحداً ، فكأنه أعيد .
في آخر النهار يكون له وقفة أخرى : ينظر ماذا عمل ، وماذا أنجز ، فيبدأ بالفرائض : هل هي خالصة لله ؟ ، هل اتبع فيها الرسول ؟ ، هل ازداد بها رفعة ، هل فيها نقص فيتداركه بقضاء أو إصلاح ؛ ثم يحاسبها على المناهي : فإن ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار .
ثم يحاسب نفسه على نعم الله : هل تذكرها واستشعرها وأسندها إلى المنعم سبحانه وقام بشكرها بصرفها في طاعة الله ولم يستعملها في معصية الله ؟ فمثلاً : نعمة النظر : هل قام بغضه عن الحرام ؟ وهل استعمله في ما يحبه الله ، واللسان نعمة : فهل حفظه عن الغيبة والكذب والنميمة وكافة آفاته وهل استعمله في الذكر ونشر العلم والدعوة إلى الله وتلاوة القرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة ؟ .

النوع الثاني - المحاسبة المقيدة :

وهي التي تكون في وقت محدد أو عند حالة معينة ، وهي أربعة أحوال :

الحال الأول . محاسبة قبل العمل :

يقف مع نفسه وقفة محاسبة : هل يقدم على هذا العمل أو لا ؟ ، وهل الأفضل أن يعمله أو يتركه ؟ ، وهل الدافع لعمله ابتغاء مرضات الله أو له أهداف دنيوية ؟ ،
قال الحسن رحمه الله : (رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر) ، فإذا نظر في هذه الأشياء أقدم على العمل أو أحجم عنه .

الحال الثاني . محاسبة بعد العمل :

. 1  محاسبتُها على التقصير في الطاعات في حق الله ـ تعالى :
بأن يسأل نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصاً فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ثم يجبر نقصها بأداء النوافل .
 . 2 محاسبتها على معصية ارتكبتها:
لماذا ارتكبها ؟ ، وما الذي دفعه إليها والسبيل الى كل ما يبعده عنها ، وأن يتوب منها توبة نصوحاً ويستغفر ويعمل الحسنات الماحيةِ والمذهبة للسيئات ، كما قال الله ـ سبحانه ـ: (( إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)) هود:114

 . 3 محاسبتها على أمرٍ كان تركه خيراً من فعله :
لِمَ فعلهُ هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة.
. 4  محاسبتها على أمر مباح أو معتاد لم فعله :
وهل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحاً لي ؟ أو فعلتُه عادةً وتقليداً بلا نيّةٍ صالحة ولا قصدٍ في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح ؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من هل قللها أو أضعف روحها، أو كان له أثرٌ في قسوة القلب وزيادة الغفلة .

الحال الثالث : محاسبة النفس عند نهاية الأسبوع أو الشهر أو السنة :

فتقف مع نفسك وقفة محاسبة تكون بمثابة جرد لأعمالك ، ما ذا قدمت ؟ ، وبما ذا قصرت ؟ ، هل ازددت من الله قرباً أو ازددت منه بعدا ؟ ، هل أنت خاسر أو رابح أو حافظت على رأس المال على الأقل ؟ .

الحال الرابع : محاسبة النفس عند الأوقات والأماكن الفاضلة :

في مواسم الخير كرمضان ، وعشر ذي الحجة ، ويوم الجمعة ، وآخر الليل ، هل اغتنمها بما يقربه إلى الله أو مرت عليك دون فائدة ؟، وكذلك إذا كنت في مكان فاضل كالحرم هل اغتنمت وجودك فيه بما يقربك إلى الله أو لم تلق لذلك بالاً ؟.

خامسا : الثمار المترتبة على المحاسبة :

1 -  مراقبة الله :
لأنه كلما هم بمعصية حاسب نفسه ، وكلما هم بتقصير في واجب حاسب نفسه ، وهذه هي المراقبة لله حتى يصل إلى مرتبة الإحسان .

- 2 يطلع على عيوب نفسه:
 لأنه بالمحاسبة لابد أن يجد في نفسه عيباً ، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى ، وأما من لم يحاسب نفسه لم يطلع على عيوبها ، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته .

 - 3إخلاص النية لله :
لأن المحاسبة وقفة خفية بينك وبين نفسك لا يعلمها إلا الله ، وأنت أدرى بنفسك وبحقيقة أعمالك ؛ تعرف هل عملت هذا العمل رياء أو سمعة أو عملته لله ، وهذا يقودك بإذن الله إلى أن تجعل أعمالك كلها خالصة لله.

 - 4استشعار المسلم للهدف الذي خلق من أجله:
إذا حاسبت نفسك علمت أنك لم تخلق عبثاً ولن تترك سدى ، لم تخلق للأكل والشرب والنكاح وجمع الأموال ، خلقت لأمر عظيم وهيئت لأمر جسيم ، فحينها تستشعر الهدف الذي خلقت من أجله .

 - 5الاجتهاد في الطاعة :
فإن الصائمين في حر النهار ما صاموا إلا بعد محاسبتهم لأنفسهم ، والقائمين الليل لماذا كانوا يقومون الليل ، والتالين للقرآن ، والباذلين أموالهم في سبيل الله ، وغيرهم ما فعلوا ما فعلوا إلا بعد محاسبتهم لأنفسهم .

 - 6البعد عن المعاصي صغيرها وكبيرها :
لأنه إذا حاسب نفسه على المعصية دعاه ذلك إلى أن لا يعملها مرة أخرى ، وبذلك يبتعد قدر الإمكان عن المعاصي .

 - 7الزهد في الدنيا:
 لأنه سيعرف حقيقة الدنيا وحقية نفسه وما تريد ، وسيدرك أن الدنيا دار ممر وفناء ، يزرع بها العبد ما يحب أن يراه غداً ، مما يجعله ينظر إلى الدنيا على أنها مزرعة للآخرة ؛ فلا ينافس أهلها عليها

سادسا : وسائل تنمية المحاسبة :

- 1 الاطلاع على أخبار السلف في محاسبتهم لأنفسهم :
فعليك إن كنت من المحاسبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال والنساء من المجتهدين ؛ لينبعث نشاطك ويزيد حرصك ، وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك ؛ فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، وسيأتي طرفاً من أخبارهم في ذلك .

- 2 صحبة أهل الهمة العالية المحاسبين لأنفسهم ؛ لأنك ستقتدي بهم في ذلك .

- 3  معرفة طبيعة النفس :
وأنها داعية إلى العصيان والجهل ؛ فلابد من محاسبتها وإلا قادتك إلى مهاوي الردى .

- 4  العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل :
 والهدى والضلال ، والضار والنافع ، والكامل والناقص ، والخير والشر ، ويبصر به مراتب الأعمال : راجحها ومرجوحها ، ومقبولها ومردودها ؛ وبقدر هذا العلم يكون التفاوت بين العباد من ناحية المحاسبة ، فمن كان حظه من هذا العلم أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم .

 - 5 سوء الظن بالنفس :
لأن حسن الظن بالنفس يمنع الإنسان من أن يبحث عن عيوبه ، بل وربما لبَّس عليه فيرى المساوىء محاسن والعيوب كمالاً ، ومن عرف نفسه حق المعرفة أساء الظن بها ، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه .

 - 6 أن تقارن بين نعمة الله عليك وبين أفعالك :
 فالله سبحانه أنعم عليك نعماً كثيرة وأنت لم تقم بحقها ، وحينها تعلم أنه ليس إلا أن يعفو عنك ويرحمك أو تهلك.

- 7  أن تقارن بين حسناتك وسيئاتك أيهما أكثر وأرجح قدراً وصفة :
فهذا سيعينك على محاسبة نفسك ؛ لأنك لا بد أنك ستجد معاصي عملتها ؛ إذ لا يوجد معصوم بيننا .

سابعا : أسباب فقدان المحاسبة وآثارها :

أ - أسباب فقدان المحاسبة  :

- 1 المعاصي : سواء كان ذلك بفعل الكبائر أو بالإصرار على الصغائر ؛ حيث إن هذه المعاصي تسبب الران على القلب ، فإذا لم يحاسب العبد نفسه ويتوب تراكم هذه الران على قلبه ، وتقل محاسبته لنفسه حتى يصبح قلبه لا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً .

 - 2التوسع في المباحات:  لأن هذا التوسع يرغبه في الدنيا ويقلل تفكيره في الآخرة ، وإذا لم ينظر إلى آخرته ، أو قل نظره إليها قلت محاسبته لنفسه .

 - 3عدم استشعار عظمة الله وما يجب له من العبودية والخضوع :فلو استشعرنا ذلك وعرفنا لله حقه لأكثرنا من محاسبتنا لأنفسنا ، ولقارنا بين نعم الله علينا وبين معاصينا ، ولقارنا بين حقه علينا وبين ما قدمناه لآخرتنا .

 - 4تزكية النفس وحسن الظن بها:  لأن حسن الظن بالنفس يمنع من التعرف على عيوبها وإذا لم تكتشف الداء كيف ستعالجه .

- 5 عدم تذكر الآخرة : والانشغال بالدنيا ولو وضعنا الآخرة نصب أعيننا لما أهملنا محاسبة أنفسنا .

ب - آثار فقد المحاسبة :

1 - عدم محاسبة النفس تسهل على العبد الوقوع في المعاصي:
حيث إن محاسبة النفس تجعله يندم على فعله المعصية ، وإذا ندم أوشك أن لا يعملها مرة أخرى ، أما إذا لم يأبه للمعصية ولم يحاسب نفسه عليها فإنه من السهل أن يقع فيها أو في معصية غيرها مرة أخرى .

- 2 يعسر عليه ترك المعاصي والبعد عنها :
لأنه يكون حينئذ ألفها واعتاد عليها ، وتشربها قلبه فيصعب عليه تركها .

- 4 استثقال الطاعات:
لأن الطاعة تحتاج إلى جهد وعزيمة ،وهذه العزيمة لا تأتي إلا بالوقوف مع النفس وقفة محاسبة ، وأخذها بالحزم والجد .

 - 5هلاك القلب:
قال ابن القيم : في إغاثة اللهفان : ( وترك المحاسبة يؤول إلى الهلاك ، وهذه حال أهل الغرور : يغمض عينيه عن العواقب ، ويمشي الحال ، ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه.

الأحد، 2 أكتوبر 2016

منزلة الأم وفضلها في القرآن والسنة إعداد : محمد ابوغدير المحامي

أولا : منزلة الأم في القرآن الكريم :

 1. ولقد أوصى القرآن الكريم بالأم وفضل الأم على الأب لموجبات الحمل والرضاع والرعاية :
فقال سبحانه : (ووصّينا الإنسان بوالديه حَملته أمه وَهْناً على وهن، وفِصاله في عامين أنْ اشكر لي ولوالديك إليّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تُطعهما وصاحِبْهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) . لقمان:14-15

2. وكرر الله تعالى تلك الوصية لفضل الأم ومكانتها :
فقال: ( ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كُرهاً ووضعته كُرها وحملُه وفصاله ثلاثون شهراً ).(الأحقاف:15).

3. والإسلام قدّس رابطة الأمومة، فجعلها ثابتة لا تتعرض للتبدلات والتغيرات:
فحرم الزواج من الأمهات قال سبحانه: ( حُرمت عليكم أمهاتكم ) النساء:23.

4. كما بيّن أن رباط الزوجية لا يمكن أن يتحول إلى رباط أمومة أبداً ، وشتان بينهما :
قال سبحانه: (وما جعل أزواجكم اللائي تُظاهرون منهن أمهاتكم ) . الأحزاب: 4 . (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هُنَّ أمهاتهم. إنْ أمهاتهم إلا اللائي ولَدْنهم ).(المجادلة:2)

5. و رباط الأمومة يبيح للولد أن يأكل من بيت أمه:
فقال تعالى ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ) . النور:61 .

6. الأم مسؤولة عن تربية ولدها، فهي راعية ومسؤولة عن رعيتها، وأشار سبحانه إل هذه المسؤولية الأخلاقية :
فقد قال تعالى : ( ما كان أبوك امرأ سَوء وما كانت أمك بغياً ) . مريم: 28. وأوجب الله سبحانه وتعالى للأم ميراث ولدها إن مات في حياتها كما أوجب له ميراثها إن ماتت في حياته فقال سبحانه وتعالى: (فإن لم يكن له ولد ووَرِثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس) . النساء:11 .

7 . والأم يستعطف ويسترحم بها ولما ترمز إليه من الحنان والرحمة والشفقة :
فقال تعالى على لسان هارون عليه السلام لما اخذ موسى عليه السلام برأسه : ( قال ابنَ أمَّ إن القوم استضعفوني..) الأعراف: 150 . وفي موضع آخر قال: ( يا بنَ أُم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) . طه:94 .

8 . وجعل الله سبحانه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين :
من حيث واجبُ البر وحرمةُ الزواج والحقوق الواجبة لهن من الاحترام والتقدير، قال سبحانه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) . الأحزاب:6 .

9 . ضربها الله سبحانه في القرآن للأمهات المثاليات أسوة للمؤمنات مريم وأم موسى عليهما السلام :
فقال عن ام عيسى عليه السلام (وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى رَبْوة ذات قرار ومعين) . المؤمنون: 50. ( وأمه صدِّيقة ). المائدة:75 ، وعن أم موسى قال: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين … وأصبح فؤاد أُم موسى فارغاً إنْ كادت لتُبدي به لولا أن رَبطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) . القصص: 7-10 .

10. وعن عاطفة الأمومة - حق رعاية وامتنّ بذلك على موسى لعظيم تلك المنة وأهميتها :
فقال سبحانه: (فرددناه إلى أمه كيف تقرّ عينها ولا تحزن ) . القصص: 23 .


ثانيا : منزلة الأم في السنة النبوية:

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: [أمك] . قيل : ثم من ؟ قال: [أمك] . قيل ثم من؟ قال [أمك] . قيل ثم من؟ قال: [أبوك] . رواه البخاري .

2. وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، فقال: [الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس، وشهادة الزور] . رواه البخاري .

3. ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن سَبّ الوالدين وبيّن أنه من الكبائر فقال: [إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه] . قيل يا رسول الله! كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: [يسُب الرجل أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبّ أمه] . رواه البخاري .

4. ومن تمام الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى أهل وُدّهما قال صلى الله عليه وسلم: [إن أبرّ البرّ صلةُ الولد أهل ودّ أبيه] . رواه مسلم.

5. ومن تمام الإحسان أيضاً قضاءُ ما كان عليهما من دَين لله أو للناس فقد سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه، وتُوفيت قبل أن تقضيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فاقضِه عنها] . رواه مسلم.

6. وجاءت امرأة تسأله عن أمها التي ماتت وعليها صوم شهر؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أمك دَين أكُنتِ قاضيَتَه؟ قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فدين الله أحق بالقضاء] .
وكذلك امرأة سألت عن أمها وماتت ولم تحجّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ حُجيّ عنها ] . رواه مسلم.

7. ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في البر فاستأذن ربّه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذن في زيارتها فأذن له. رواه مسلم.  8. وكان صلى الله عليه وسلم شديد البر بمرضعاته ومربياته من ذلك أنه جاءت حليمة أمه بالرضاعة فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه. (الإصابة لابن حجر 4/274) .

9. وحين سيق إليه السّبيُ من هوازن كانت الشيماء بنت حليمة فيهم فلما انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إني لأُختك من الرّضاعة وعرّفته بعلامة عرفها صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه، ودمعت عيناه وقال لها: [ ههنا ] ، فأجلسها على ردائه وخيّرها بين أن تقيم معه مُكرمة محبّبة أو أن ترجع إلى قومها، فأسلمت ورجعت إلى قومها، وأعطاها رسول الله نَعَماً وشاه وثلاثة أعبد وجارية.