الجمعة، 2 فبراير 2018

من الأخلاق الراقية .... ٢ - الشكر بقلم محمد أحمد أبوغدير المحامي

لو جلس الإنسان مع نفسه يتأمل ويتدبر نِعَم الله سُبحانه وتعالى عليه لأمضى الساعات الطويلة بدون إحصاء ، فمن أول نعم الله تعالى أن فضّل بني آدم على سائر المخلوقات ، ومن أجل نعمه سبحانه على عباده نعمة الإسلام بتوحيدهم لله تعالى وإيمانهم برسوله وطاعتهم لله ورسوله .

ومن النعم التي يتمتّع بها الإنسان الصحّة والعافية، ونِعمة السَّمع، والبصر ، ونِعمة الكلام واللسان والعقل والتفكير السليم ، قال تعالى : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل: 78 .

ومن نعمه سبحانه على عباده الصالحين السعادة في الدنيا ، كما روى ابن حبّان عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : ( أربعٌ من السعادة المرأةُ الصالحةُ ، والمسكنُ الواسعُ والجارُ الصالحُ والمركبُ الهنيءُ) ، وكذلك وعده سبحانه لهم في الآخرة بنعيم الجنة حيث روى البخاري في صحيحه : (ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر .

وهكذا تفضّل الله سبحانه وتعالى على عباده بالنِّعم التي لا تُعدُّ ولا تُحصى ، ومن الواجب علي المسلم أن يشكر الله على نعمه عليه في كل وقت وحين ويحرص علي ذلك ، فالله سبحانه وتعالى وعد الشاكرين بالجزاء العظيم وجعل الشكر سببا للحفاظ على النعم وزيادة العطاء حين قال سبحانه وتعالى ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) إبراهيم :7 .

فهيا بنا - في هذه السطور - نتعرف على مفهوم الشكر ونقف على أركانه ، لنعلم يقينا أن شكر الله فريضة شرعية أمر الله بها عباده ، وندرك منزلة الشكر العالية وفضله الكبير الثابت في العديد من آيات من القرآن الكريم ، وذلك كله يدفعنا إلى التماس  الأسباب المؤدية إلى الشكر لننال هذا الفضل ونرتقي لتلك المنزلة .

أولا : تعريف الشكر:

أ - الشُّكر لغةً:

مصدر شَكَرَ يَشكُرُ، وهو مأخوذ من مادة: (ش ك ر) وهو بمعنى : الثناء والِعرفانُ والمجازاةُ .

ب - الشُّكر اصطلاحًا:

وقال ابن القيم: الشُّكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبةً، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعةً .

وعرفه آخرون بقولهم: الشكر هو الثناء على المنعم بما أولاكه من معروف .

ج - معنى اسم الله الشكور :

قال الإمام الغزاليّ: الشّكور (في أسماء الله تعالى) هو الّذي يجازي بيسير الطّاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيّام معدودة نعيما في الآخرة غير محدود .

وقال ابن منظور : والشّكور من صفات الله- جلّ اسمه- معناه: أنّه يزكو عنده القليل من أعمال العباد ، فيضاعف لهم الجزاء ، وشكره لعباده: مغفرته لهم وإنعامه على عباده وجزاؤه بما أقامه من العبادة .

وقال ابن سعديّ: وأمّا الشّكور من عباد الله فهو الّذي يجتهد في شكر ربّه بطاعته وأدائه ما وظّف عليه من عبادته.

د - أقوال علماء السلف في الشكر :

قال أبو عثمان : الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكرِ .

وقالَ الجُنيد: الشُكرُ أن لا ترى نفسكَ أهلاً للنِعمة ، وأن ترى الله سبحانه وتعالى تفضّلَ عليك ، وإذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضلهِ عليك خلقَ الفضلَ ونسبهُ إليك .

وقالَ أحدُ العلماء: الشُكر استفراغ الطاقة ، ويشُكرُ العامةِ على المطعمِ والمشربِ والملبسِ وقوتِ الأبدان .

وقيلَ: هو عكوفُ القلب على محبة المُنعِمِ, والجوارح على طاعتهِ, وجريان اللسان بذكرهِ, والثناءِ عليه, معرفةٌ وتعبيرُ وامتنان وسلوك .

وقيلَ: الشُكرُ مُشاهدةُ المِنّةَ وحِفظُ الحُرمة .

هـ - الفرق بين الشاكر والشكور :

قال المناويّ: إنّ الشّاكر من يشكر على الرّخاء ، والشّكور من يشكر على البلاء.

وقيل: الشّاكر من يشكر على العطاء ، والشّكور من يشكر على المنع.

وإذا وصف الباري بالشّكور فالمراد إنعامه على عباده .

و - الفرق بين الشكر والحمد:

. 1  الشكر يكون بالجوارح ، والحمد يكون باللسان وبالقلب ، ولذلك نسمع بسجود الشكر ، ولا نسمع بسجود الحمد ، لأن الشكر يكون بتسخير النعمة في طاعة الله، وهذا عمل بالجوارح.

. 2  الشكر يكون عند البلاء ، والحمد يكون على كل حال، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابته سراء قال: ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) ، وإن نزل به بلاء قال: ( الحمد لله على كل حال ) .

ثانيا : أركان الشكر

 للشكر بمعناه الاصطلاحي ثلاثة أركان هي :

 . 1 اعتراف المرء بالنعمة بقلبه :
روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ) .

. 2 التحدث بها والثناء على المنعم  :
قال تعالى: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى: 11 .

. 3 تسخير النعم في طاعة المنعم بها  :
قال تعالى: ( اعملوا آل داود شكر ) سبأ: 13 .
ومعنى الآية: يا آل داود: اعملوا شكرًا لله على ما أعطاكم، وذلك بطاعته وامتثال أمره .

ثالثا : الحكم الشرعي لشكر الله :

شكر الله فريضة شرعية ، لذلك أمر الله عباده بالشكر في العديد من آيات من القرآن الكريم تفيد وجوبه ، نذكر منها ما يأتي :

1. أمر الله العباد بالشكر بعد الذكر ، قال سبحانه : {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} البقرة: 152.

2. وبعد أن وصى الله تعالى الإنسان بوالديه أمره بشكره ووالديه ، فقال سبحانه : { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) لقمان: 14.

3. وأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالشكر بعد أن حذر من الشرك فقال تعالى : ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) الزمر: 65-66

4. وأمر الله تعالى موسى عليه السلام بالشكر بعد أن إصطفاء بالرسالة، فقال تعالى : {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) الأعراف:144 .\

5. وأمر الله المؤمنين بالشكر بعد أن رزقهم الطيبات ليأكلوا ، فقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172

6. وطلب الله من العباد الشكر بعد أن أحيا لهم الأرض وانبت لهم فيها من الحب والنخيل والأعناب ، فقال تعالى : { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } يس : 33-35 .

7. وقال أيضا : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون) يس : 71-73 .

8. وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل يوم القيامة : يابن آدم حملتك على الخيل والإبل ، وزوجتك النساء ، وجعلتك تَرْبَعُ وترأس ، فأين شكر ذلك ) رواه أحمد   ، تربع : تأخذ ربع غنيمة القوم ، ترأس : تكون رئيسا للقوم .

رابعا : منزلة الشكر وفضله :

1. علو منزلة الشاكرين :
وصف الله الشاكرين بأنهم قلة من عباده ومما يدل على فضل الشكر وعلو منزلته ، وأن رضا الله معلق بالشكر ، فقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ سورة سبأ آية:13 .

2. الشكر سبب لزيادة النعمة :
وعلق سبحانه زيادة النعم بشكره عليها ومن جحدها كان له العذاب الشديد من الله ، فقال تعالى : ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ سورة إبراهيم آية:7 .
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لرجل من همذان : إن النعمة موصولة بالشكر ، والشكر يتعلق بالمزيد ، وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد .\

3. الشكر منجاة من العذاب :
قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى : قرن الله سبحانه الشّكر بالإيمان، وأخبر أنّه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال: ( ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ) النساء/ 147 أي إن وفّيتم ما خلقكم له، وهو الشّكر والإيمان فما أصنع بعذابكم .

4. الله يمن على الشاكرين :
أهل الشّكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده ، فقال سبحانه ( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) الأنعام/ 53 .

5. والله تعالى يزيد الشاكرين :
علّق الله سبحانه المزيد بالشّكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره. قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم :
وأوقف سبحانه الجزاء على المشيئة كثيرا وأطلق ذلك في الشّكر ، فقال تعالى : ( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) آل عمران: 145 ، وقال سبحانه وتعالى : ( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران : 144.

6. الشّكر هو الغاية من خلقه وأمره :
جعل الله تعالى الشّكر هو الغاية من خلقه وأمره ، فقال تعالى ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل: 78 .

7. الشكر من سمات العابدين :
وأخبر سبحانه أنّه إنّما يعبده من شكره، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: ( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) البقرة: 17  .

8. الله يثني على أنبيائه بالشكر :
وقد أثنى الله سبحانه على أوّل رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشّكر ، فقال : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( الإسراء: 3.
وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم ، فقال: ( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل: 120- 121.
وأمر الله- عزّ وجلّ- عبده موسى بالشّكر. فقال تعالى: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ  ) الأعراف: 144  .

9. أن رضا الله في شكره :
كما أخبر سبحانه أنّ رضاه في شكره فقال: ( وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) الزمر: 7

10. الشكر من صفات المؤمنين:
ففي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )  .

خامسا : الأسباب المؤدية إلى الشكر :

1. التلبس بأركان الشكر وهي :
الاعتراف بالنعمة بقلبه ، والتحدث بها والثناء على المنعم ، وتسخيرها في طاعة مسديها والمنعم بها ، وذلك على التفصيل السالف بيانه .

2. شكر من أسدى معروفاً إليك من الناس :
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس) رواه الترمذي .
وروى أبو داود عن ابن عمر ، أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ.(  وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء(.

3. التفكر في نعم الله عليك :
إمعان النظر في كثرة النعم التي نرفل فيها ليلاً ونهارًا، وسرًا وجهارًا، وأننا مطالبون بشكر الله عليها سواءً كانت حسية أو معنوية ، قال تعالى : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل : 78.
قال يونس بن عبيد رحمه الله تعالى لرجل يشكو ضيق حاله : أيسرك ببصرك هذا مائة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا ، قال : فبيديك مائة ألف؟ قال : لا ، قال : فبرجليك مائة ألف ؟ قال : لا ، فذكره نعم الله عليه ثم قال له : أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة .

4. تقوى الله والعمل بطاعته :
قال تعالى : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) آل عمران : 123 .

5. نظر العبد لمن دونه في أمور دنياه لمن فوقك في أمور أخراه :
كما أرشدنا إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم - في قوله: ( انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) ، ومن وسائل ذلك : زيارة المرضى في المستشفيات ودور الإعاقة والمصحات النفسية وغيرها ، والنظر في حال أولئك المرضى لنستشعر قيمة ما نحن فيه من نعم كثيرة قلّ لها شكرنا  ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( كن قنعا تكن أشكر الناس ) رواه ابن ماجة .

6. أن لا ينسب العبد النعم إلى نفسك :
ويتعظ من حال قارون الذي ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) القصص : 78 ، فكان مصيره كما قال تعالى ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) القصص : 81 .

7. كثرة العبد لحمد الله عز وجل :
قال أعرابيًا للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاء لعل الله أن ينفعني به ، قال ( قل اللهم لك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله ) رواه البيهقي وحسنه الألباني ، فإن لم تستطع أن تحفظ جميع صيغ الحمد التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكفي أن تحمد الله علي ما وهبك من النعم ولكن مع ذكر النعمة حتي لا تكون مجرد كلمة نُرددها على ألسنتنا ، وستجد أنك بدأت تتحدث بالنعمة وتشعر بها من داخلك فتحمد الله عليها .

8. صلاة الضحى :
ومن وسائل شكر الله تعالى صلاة الضحى ، فعن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَة ٌ ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى ) البخاري ومسلم .

9. سجود الشكر:
روى أبو داود عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أمر بشر به خر ساجدا ؛ شاكرا لله  ، وهذه السجدة لا تشترط لها طهارة ، ولا استقبال قبلة .

10. أن يقول إذا أصبح وأمسى :
اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر .
فعن عبد الله بن غنام البياضي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر. فقد أدى شكر يومه، ومن قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته ) رواه أبو داود .

11. كثرة الدعاء بشكر الله تعالى:
كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ قائلاً "فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه أحمد

من الأخلاق الراقية ... ١ _ الذكر بقلم : محمد أبوغدير المحامي


ذِكر الله عز وجل من أيسر العبادات وأجلِّها ، فحركة اللسان أخف حركات الجوارح ، ومع سهولة الذكر له شأن كبير في حياة المؤمن فهو قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وسبب في الشفاء من الأسقام ، لذلك فهو ملازم للإنسان في كل شؤونه و أحواله وفي كل أطواره ، ولقد أمر الله به في آيات كثيرة ، ونهى عن ضده من الغفلة والنسيان .

وقد رتب الله على الذكر من الفضل والعطاء ما لم يرتب على غيره من الأعمال ، فعلق الله تعالى الفلاح باستدامة الذكر ، وأثنى على أهله وجعلهم أهل الانتفاع بآياته ، وجعل ذكره تعالى لأهله جزاء ذكرهم له ، ووصفهم بأنهم أولو الألباب ، وأخبر عن خسران من لها عن الذكر بغيره .

فهيا بنا - في هذه السطور - نتعرف على مفهوم الذكر وأقوال العلماء عنه ومعناه في القرآن الكريم ، ومشروعيته من الكتاب والسنة ، وكون حكمه ندبا أو فرضا وقد يكون نهيا ، ونقف على درجات الذكر وأقسامه ، آداب الذكر ، ثم فوائد الذكر وثمراته

أولا : تعريف الذكر :

أ - الذِّكْر في اللغة :

الذكر : بكسر الذال وسكون الكاف والراء له معنيان:

الأول : التلفظ بالشيء . أو الشيء يجري على اللسان ، يقال: ذكرت لفلان كذا وكذا، أي تلفظت به له، أو قُلته له ، وليس من الذكر بعد النسيان ، ومنه سمي المتلفظ بتكبير الله وتحميده وتسبيحه ونحوِه ذاكراً لله تعالى.

والثاني : إحضار الشيء في الذهن بحيث لا يغيب عنه ، وهو ضد النسيان ، ومنه سمي القائم على حدود الله ذاكراً لله تعالى .

ب - والذكر اصطلاحا :

عرف  العلماء الذكر بأنه : ما يجري على اللسان والقلب ، من تسبيح اللَّه تعالى وتنزيهه والثناء عليه ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال .

كما عرفه ابن عطاء الله السكندري بأنه : التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى) .
والفرق بين الغفلة والنسيان  :أن (الغفلة ) ترك باختيار الغافل ، و ( النسيان ) ترك بغير اختياره ، ولهذا قال تعالى : { وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ }  الأعراف : 205 ، ولم يقل : ولا تكن مع الناسيين ، فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه .

ج - أقوال العلماء حول ذكر الله:

 •قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (ليسَ يَتَحَسَّرُ أهلُ الجنَّة على شيءٍ إلّا ساعةً مَرَّة بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها! .

 •قال مجاهد رحمه الله تعالى: مَنِ استطاعَ ألَّا يبيتَ إلَّا طَاهراً ذاكراً مُسْتَغفراً فليفْعَل فإنَّ الأرْوَاحَ تُبْعَثُ على ما قُبِضَتْ عَلَيهِ(.

  •قال لقمان رحمه الله تعالى:  إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ الذِّكْرِ وَالغَفْلَةِ كَمَثَلِ النُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ .

• قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنَّ في الدنيا جَنَّة مَن لم يَدْخُلْها لم يَدْخُل جَنَّة الآخِرَة، قالوا: وما هي يا إمام؟ قال: مَحَبَّةُ الله تعالى وذِكْرُهُ .

  •قال الرَّبيعُ بن خُثَيم:  أَقْلِل الكَلَامَ إلّا مِنْ تِسْعٍ: تَكْبيرٍ، وتهلِيلٍ، وتَسْبيحٍ، وتَحْمِيدٍ، وسُؤَالِكَ الخَيرَ، وتَعَوّذِكَ مِنَ الـشَّرّ، وأمْرِكَ بالمعروفِ، ونَهْيِكَ عَنِ المُنْكَرِ وقِرَاءَتِكَ القُرْآنَ .

• الإمام أبو القاسم القشيري : الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر).

د - معنى الذكر في القرآن الكريم :

أطلقت كلمة “الذكر” في الآيات القرآنية الكريمة على عدة معاني بيانها في الآتي :

1. الذكر بمعنى القرآن الكريم :
كما في قوله تعالى: {إنَّا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ} الحجر: 9.

2. الذكر بمعنى صلاة الجمعة :
كما في قوله تعالى:{يا أيُّها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ } الجمعة: 9 .

3. الذكر بمعنى العلم :
كما في قوله تعالى:  {فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمونَ } الأنبياء: 7.

4.  وفي معظم النصوص أُريدَ بكلمة  الذكر الآتي :
التسبيحُ ،والتهليل ، والتكبير ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما إلى هنالك من الصيَغ ،
كما في قوله تعالى: {فإذا قَضيتُمُ الصلاةَ فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِكُم} النساء: 102،
وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتُمْ فِئةً فاثبتوا واذكروا اللهَ كثيراً} الأنفال: 45 ،
وقوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليهِ تبتيلاً} المزمل: 8 .

ثانيا : مشروعية الذكر من الكتاب والسنة :

شكر الله فضيلة شرعية، لذلك أمر الله عباده بالشكر في العديد من آيات من القرآن الكريم والسنة المطهرة، نذكر منها ما يأتي  :

أ ـ أما من الكتاب:

1. قال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} البقرة: 152.
2. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} الأحزاب: 41 ـ42  .
3. وقال تعالى: { واذكرْ ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) آل عمران: 41 .
4. قال أيضاً: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} الدهر: 25 .
5. وقال أيضاً: { واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} المزمل: 8 .
6. وقال جل شأنه: { وَلَذِكرُ الله أكبرُ} العنكبوت: 45 .
7. وقال أيضاً: { فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} النساء: 103 .
8. وقال تعالى: { في بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكر فيها اسمُهُ} النور: 36
9. وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله } المنافقون:9 .
10. وقال أيضاً: {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً } الأحزاب: 35 .

ب ـ وأما من السنة:

1.  روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت ).

2.  روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنة ؟ قال: حِلَق الذكر)

3.  روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيبعثنَّ الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حِلْهُم [حلهم: صفهم لنا وعرفنا نزلهم] لنا نعرفْهم! قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه" [بإسناد حسن .

4. روى الترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق [الورق: الفضة]، وخيرٍ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ الله تعالى"، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (ما شيءٌ أنجى من عذاب الله من ذكر الله ) .

5. روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ).

6. روى أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قومٍ اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه ؛ إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفوراً لكم فقد بُدلت سيئاتكم حسنات".

7. روى الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقول الرب تبارك وتعالى : مَن شغلَهُ قراءةُ القرآن وذكري عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعطي السائلين) .

ج - الحكم الشرعي للذكر :

وقد دلت الكثير من النصوص الشرعية كتابا وسنة على أن الأمر بالذكر قد يكون ندبا أو فرضا ، وقد يكون نهيا .

1. فلقد ندب الشارع في الذكر ورغب فيه لنيل فضله ، فشرع الله تعالى  الذكر في مواضع  من الصلاة وما بعد الصلاة ، وشرع من الذكر ما لا ينفك عن المسلم ، كأذكار الطعام والشراب ودخول البيت والخروج منه ، وكذلك أذكار الصباح والمساء والنوم .

2. ومن الذكر ما أوجبه الشارع وأمر به ، كتكبيرة الإحرام وقراءة القرآن في الصلاة ، والتسمية على الذبيحة ، ومن الذكر الواجب على الكفاية الأذان والإقامة ورد السلام .

3. وقد يكون الذكر حراما ، حال الجلوس لقضاء الحاجة ، وحال سماع خطبة الجمعة .

ثالثا : درجات الذكر وأقسامه :

أ - درجات الذكر :

قال ابن القيم عن درجات الذكر أنها ثلاث درجات : ثناء أو دعاء أو رعاية :

 - 1ذكر الثناء :
فنحو : سبحان اللَّه ، والحمد لله ، ولا إله إلا اللَّه ، واللَّه أكبر.

 - 2ذكر الدعاء :
فنحو قول الله تعالى { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } الأعراف : 23  و (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) ،
  كما روى النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها ( ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ، أو تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ( أو نحو ذلك .

 - 3ذكر الرعاية :
 فمثل قول الذاكر : اللَّه معي ، اللَّه ناظر إلي ، اللَّه شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللَّه ، وفيه رعاية لمصلحة القلب ، ولحفظ الأدب مع اللَّه ، والتحرز من الغفلة ، والاعتصام من الشيطان والنفس .

والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة ، فإنها متضمنة للثناء على اللَّه ، والتعرض للدعاء والسؤال ، والتصريح به ،  وهي متضمنة أيضًا لكمال الرعاية ، ومصلحة القلب ، والتحرز من الغفلات ، والاعتصام من الوساوس والشيطان .

ب - أقسام الذكر :

1. ذكر السر والجهر:
إن ذكر الله تعالى مشروع سراً وجهراً، وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه : السري والجهري .
إلاَّ أن علماء الشريعة الإسلامية قرروا أفضلية الجهر بالذكر إذا خلا من الرياء، أو إيذاء مُصَلٌّ أو قارئ أو نائم ، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها: ما أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ) يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم )]. والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر .

2. ذكر اللسان وذكر القلب:

وقال الإمام النووي رحمه الله : الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان ، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل.
وقال رحمه الله أيضا : أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك .

3. الذكر المنفرد والذكر مع الجماعة:
العبادات مع الجماعة تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد - ومنها ذكر الله تعالى - ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم وهكذا.
أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة ؟ قال: حِلَقُ الذكر ).
أخرج مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

4. الذكر المطلق والذكر المقيد :
الذكر المطلق : بأن تذكر الله على كل حال ، قائماً وقاعداً وعلى جنب، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191 ، وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.
والذكر المقيد : فهو ما قيد بزمن كالذكر أدبار الصلوات ، والذكر عند دخول المسجد وعند الخروج منه، ومن ذلك أذكار الصباح والمساء .

رابعا : آداب الذكر :

1. الإخلاص لله تعالى :

الإخلاص لله  هو الشرط الأول لقبول الأعمال، وكل عمل لا إخلاص فيه لا فائدة ترجى منه  بل قد يضر. فينبغي أن يكون الدافع للذكر هو عبادة الله تعانى والتقرب منه ، بعيدا عن الشرك والرياء

2. استحضار القلب والتدبر :

إذ هو المقصود من الذكر، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأذكار: المراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكر ويتعقل معناه، فالتدبر في الذكر مطلوب... إلخ.

3. أن يذكر الله على طهارة :

وهذا مستحب- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر أو قال على طهارة. رواه أبو داود وصححه الألباني .

4. خفض الصوت بالذكر وعدم الجهر به جهراً بليغاً :

 قال الله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ، الأعراف: 205 ، وقال ابن كثير رحمه الله:وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداءً وجهراً بليغا.

5. التقيد بما حدده الشرع من عدد معين في الذكر:

ينبغي التقيد بما جاء به الشرع من الذكر والتسبيح والاستغفار ، فما علق الفضل فيه على عدد معين ، فينبغي تحصيل هذا العدد والتزامه، وذلك كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل بعد الصلوات الخمس، وكبعض أذكار الصباح والمساء المقيدة بعدد معين، وغير ذلك مما شرع فيه التزام عدد معين من الذكر .

خامسا : فوائد الذكر وثمراته :

1. ذكر الله يذيب قسوة القلب:

في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله عز وجل، فالقلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة قال الله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) سورة الزمر الآية: 22 .
فإذا ذكر الله ذابت تلك القسوة، كما يذوب الرصاص بالنار، فالذكر شفاء للقلب، ودواء له، والغفلة مرض للقلب، وهلاك له .

2. الذكر حرزًا للإنسان من أذى الشيطان له في دينه ودنياه  :

وفي الحديث أن النبي رأى رؤيا وقصها على أمته، وفي هذه الرؤيا أنه رأى رجلاً قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه، وقال ابن عباس: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس .

فإذا كان الإنسان ذاكرًا لله تعالى وعلى صلة به فإن الله يمده بمدد من عنده، فلا يستطيع شيطان أن يقربه لأنه يصير من عباد الله المخلصين الذين قال عنهم ربهم مخاطبًا إبليس اللعين: ( إنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ) الحجر:42.

3. ذكر الله تعالى جنة الدنيا:

ذكر الله تعالى جنة الدنيا، فقد قال أحد العارفين: في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، إنها ذكر الله
وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله تعالى، ومحبته، ودوام ذكره
وقال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة، في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتمْ وجدتم، وإلاّ فالباب مغلق، فابحثوا عن السبب .

4. الذكر سبب لعطاء الله:

فالله عز وجل يعطي الذاكر أكثر مما يعطي السائل ، في الحديث القدسي: ( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِى عَنْ مَسْأَلَتِى أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِى السَّائِلِينَ ) ورد في كنز العمال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

5. الذكر سبب لرحمة الله ولسكينة القلب :

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
وبالمقابل ، ( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مَشَى طَرِيقًا فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً ) رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، وتره تعني نقصاً في حسناتهم وتَبِعةً يحاسبون عليها .

6. ذكر الله عز وجل يؤنس المؤمن ويرقى به:

ذكر الله سبحانه وتعالى يؤنس المؤمن، ويرقى به، وذكر الله تعالى يجب أن يكون كثيراً، لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) سورة الأحزاب الآيات: 41-44 .

7. أنه يبعد الإنسان عن النفاق  :

لأن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم ( يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) النساء:142 .
فلم يقل: إنهم لا يذكرون الله أصلاً، بل ذكر أنهم يذكرون الله تعالى، لكن لا يكثرون من ذكره ، وقد سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج: أمنافقون هم؟ قال: (لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً). فهؤلاء الخوارج رغم فساد عقيدتهم وأعمالهم نجوا من النفاق لكونهم يذكرون الله كثيرًا.

8. الذكر يبثّ في قلب صاحبه الطمأنينة والسعادة :

كما قال تعالى: ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ) الرعد:28 .
فالذاكر لله يحيا في سعادة وطمأنينة، ولا يؤثر فيه ما يلاقي في سبيل دعوته من محن وابتلاءات، بل يزيده ذلك سعادة وطمأنينة؛ لأنه على صلة بالله تعالى  ، بينما المعرض عن ذكر ربه فإنه يعيش في ضنك وحيرة وأرق كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ ) طه:124.

9. الذكر يوقظ القلب من نومه ويحييه بعد موته :

لذا قال النبي في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند البخاري: ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله ) .
#أبوغدير_المحامي

الثلاثاء، 25 أبريل 2017

( صحيح العبادة ) من صفات الفرد المسلم ... إعداد : محمد أبوغدير المحامي

أولا : المفهوم الصحيح للعبادة


1- تعريف العبادة لغة واصطلاحا :

١ . العبادة في اللغة :
الذل والخضوع والانقياد.
 قال القرطبي : سميّت عبادة لأن العباد يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تبارك وتعالى ،

٢ . وفي الاصطلاح:
عرفها ابن تيمية بأنها :اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
 ومثال الأفعال الظاهرة الصلاة، ومثال الأقوال الظاهرة التسبيح، ومثال الأقوال والأفعال الباطنة الإيمان بالله وخشيته والتوكل عليه، والحب والبغض في الله.

٣ . الدين كله داخلٌ في العبادة :
الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: ندين الله وندين لله، أي نعبده ونطيعه ونخضع له، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له.

 فالمدلول اللغوي لكلمتي الدين والعبادة يدل على أنهما وجهان لحقيقة واحدة ، وقد ثبت فى الصحيح أن جبريل لمَّا جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في الحديث المشهور، قال- عليه الصلاة والسلام- في آخر الحديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فجعل هذا كله من الدين.
 فالدين كله داخل في العبادة وهي أشرف المقامات وأعلاها وبها نجاة العبد ورفعته في الدنيا والآخرة.


٤ . الفرق بين العبادة والطاعة :
ذكره أبو هلال العسكري فقال:   أن العبادة غاية الخضوع ، والطاعة هي الفعل الواقع من العبد .


ثانيا : العبادة غاية والعبودية سمة:

أ - العبادة هي الغاية من خلق الله الخلق :

وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق الخلق لها، قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)،

ولأجل تحقيق هذه الغاية واقعا في حياة الناس بعث اللهُ الرسل، قال تعالى:{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } النحل:36 .

وبالعبادة وصف الله ملائكته ، فقال تعالى:{ وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } الأنبياء: 19 .

وبها أرسل جميع رسله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية 36).

وجعل العبادةَ لازمةً لرسوله وصفوةِ خلقه- صلى الله عليه وسلم- حتى الموت، فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾  الحجر: 99

ب - العبودية لله سمة المرسلين والصالحين:

نعت الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية له في أكمل أحواله، فقال في الإسراء:{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } الإسراء: .

وقال في شأن المسيح الذي نُسبت إليه الألوهية والبنوة ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الزخرف: 5

ونعت الله الصالحين بأنهم من عباده : فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان: 63)،

ونعت أهل جنته بالعبودية له، فقال سبحانه:{ عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا } الإنسان:6 .


ثالثا : شمولية العبادة :

أ - الشعائر جزء من العبادة :

وبما أن الحكمة من خلق الخلق عبادة الله _تعالى_ وتقواه، فمن غير الممكن قصرها على ركعات خاشعة يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، ولا على أيام من العام معدودة يصومها العبد طاعة لله سبحانه ، ولا على جزء من المال يدفعه زكاة ليطهِّر بها نفسه وماله، ولا على حج البيت الحرام عند الاستطاعة مرة في العمر، فإن هذه شعأئر من العبادات وليست كلها لأنها لا تستغرق من حياة العبد إلا جزءاً يسيراً، فهل يُعقل أن يُترك أغلب ساعات عمره وأيام حياته .

ب - تعدّد وتنوع العبادة ومنها :

1. عبادة قلبية:
العبادة القلبية هي أساس الأنواع الأخرى ؛ وهي من قول القلب وعمله، وأعظم العبادات القلبية وأساسها: الاعتقاد بوحدانية الله فهو رب العالمين، الذي له الملك والخلق والأمر، والاعتقاد وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلا .
ومن العبادة القلبية أيضا : الإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والخشوع والخضوع والتوبة والإنابة وطهارة القلب، ونحو ذلك.

2. عبادات قولية:
 سمّيت بذلك؛ لأنها من قول اللسان ولفظه، وأعظمها النطق بكلمة التوحيد، ومنها: الذكر والدعاء والاستعاذة والبسملة والاستغفار، ونحو ذلك.

3 – عبادات بدنية:
وهي التي يؤديها العبد  ببدنه، ومن أعظمها: الصلوات، والصيام، والجهاد في سبيل الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى دين الله _تعالى_، والإحسان إلى الناس، والتحلّي بمكارم الأخلاق ، والعمل من أجل كسب لقمة العيش، سوار بالتجارة أو الوظائف، ونحو ذلك .

– 4  عبادات مالية:
وهي التي تعتمد على المال وحده، كالزكاة والصدقات.

– 5 عبادات بدنية مالية:
وهي التي ترتكز على عمل البدن وبذل المال كالحج والعمرة والأضاحي. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

6 . والعبادة غذاء للروح :   فإذا حُرمت الروح غذاءها أصابها ما يصيب الجسد عند الجوع، فيتخبط ويصيبه الجزع والهلع والانحراف، ولذا يلجأ البعيدون عن الله تعالى إلى كل مسكر حتى ينسوا أنفسهم .


ثالثا : شروط صحة العبادة :

قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى:{ ليبلوكم أيكم أحسن عملا }(هود: 7) قال أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟ قال:الخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.
 والعمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا ،

 لذلك فإنه لصحة العبادة شرطان:

أحدهما: أن لا يعبد إلا الله :

 وهو الإخلاص الذي أمر الله به، ومعناه أن يقصد العبد بعبادته وجه الله سبحانه، قال تعالى : {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } البينة:5 ، وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) رواه مسلم

 وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: " اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا ".

والثاني: أن يعبد الله بما أمر وشرع :

 لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، قال تعالى: { أَم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }(الشورى: 21 ،  وقال صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه.


رابعا : ثمرات العبادة :

أ - ثمرات العبادة على الفرد:

1 . طمأنينة القلب وراحته ورضاه
 قال تعالى : { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } الرعد:28.

2 . نور الوجه
كما قال تعالى: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } الفتح:299 ، وقال عن الكافرين:{ والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يونس:27.

3 . تربية الروح وتغذيتها :
فلا يجد الروح إشباعا لحاجته إلا بالقرب من الله تعالى إيمانا به واتباعا حتى يشعر بمعية نصرته تعالى له وحفظه ورعايته وذلك لا يتحقق إلا بالعبادة سواء في الضراء أو في السراء كما قال الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ }{ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } .

4 . سعة الرزق والبركة فيه :
ويدل على ذلك قصة أصحاب الجنة الذين بارك الله لهم في جنتهم في حياة والدهم بطاعته ورحمته بالفقراء، حتى إذا مات وورثوا الأرض من بعده عزموا على حرمان الفقراء، فأرسل الله على جنتهم صاعقة فجعلتها كالصريم محترقة سوداء كالليل البهيم، قال تعالى: { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون }(القلم:17).
 وقال تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ }{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا }{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } فدل رسوله عليه الصلاة و السلام إلى التقرب إليه تعالى وعبادته.

ب ثمرات العبادة على المجتمع :

1 . سبب نظام الكون وصلاحه :
فمن ثمرات العبادة أنها السبيل إلى سعادة الإنسان ورفعته في الدنيا والآخرة، وكلما كان الناس أقرب إلى العبادة كان الكون أقرب إلى الصلاح، والعكس بالعكس، فإن انهمكوا في المعاصي والسيئات وتركوا الواجبات والطاعات كان ذلك مؤذنا بخراب الكون وزواله، ومن تأمل كيف أن القيامة لا تقوم إلا على شرار الخلق حين لا يقال في الكون كله " الله الله " علم صحة ما ذكرنا.

2 . سبب للرخاء الاقتصادي :
وهي سبب للرخاء الاقتصادي واستنزال رحمات الله وبركاته على البلاد والعباد، قال تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) الأعراف:96.

3 . يكبح جماح النفس البشرية :
والعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية أن تلغ في شهواتها، وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله تعالى، قال تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }(العنكبوت:45) فالعبادة ضمانة أخرى من أن تنحرف البشرية في مهاوي الردى وطرق الضلال.

4 . تحقيق حرية الإنسان :
فالعبادة لله تعالى تحرر المؤمن من الخضوع لغير الله تعالى فيصبح بذلك حرا طليقا من سلطان سوى سلطان الله تعالى وبذلك يصل إلى شاطئ الأمان ويحس بالسكينة إلى الله تعالى فإن مصدر العزة إنما هو اللجوء إلى الله تعالى { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا }
 قال شيخ الإسلام رحمه الله :” وَأَمَّا مَنْ اسْتَعْبَدَ قَلْبَهُ فَصَارَ عَبْدًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَهَذَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَلِكَ النَّاسِ . فَالْحُرِّيَّةُ حُرِّيَّةُ الْقَلْبِ وَالْعُبُودِيَّةُ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ” الفتاوى .

5 . تمحيص المؤمن بابتلائه بالعبادة إعدادا له للحياة الآخرة :
قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام { يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } فالدنيا دار ابتلاء ومادة هذا الابتلاء هي عبادة الله تعالى تحقيقا لأمره { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  )

الاثنين، 13 مارس 2017

المحن تصنع الأمل وتدفع إلى العمل. بقلم : محمد أبوغدير المحامي

الطغاة الظالمون يغيظهم استمساك أهل الحق بدعوة الله تعالى وجهادهم لتحكيم شريعته ، ويستفزهم جهدهم الدءوب في الإصلاح والتغيير ، فيثورون محاولين القضاء عليهم - إن استطاعوا - أو على الأقل إزاحتهم عن طريقهم بكل الوسائل .

ولقد فعل الإنقلابيون في حق الإسلاميين ما يعد إبادة جماعية  ، بعد أن افلح الأحرار المصلحون بعد ثورة 25 يناير  2011  في إزاحة الطغاة المستبدين ، واختاروا رئيسا مدنيا مسلما أعلن أن الله غايته والجهاد سبيله لإنتزاع حقوق الشعب من الظالمين وإسترداد حرياتهم وكرامتهم من المستبدين .

فما لبث أن انقلب العسكر على الحكم وخطفو الرئيس ، وتحالف الإنقلابيون مع شياطين الشرق والغرب وحاربوا الإسلاميين بإعتبارهم ارهابيين ، ثم تنوعت المحن الواقعة على كل الأحرار المصلحين ، ولم يبالوا لكونهم يعلمون يقينا أن طريق الدعوة حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء ، محفوف بالمخاطر والفتن والابتلاءات.

ولكونهم يفقهون قول الله تعالى : ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 1-3 ، فهم مؤمنون أن المحن على طريق الدعوة سنة لازمة لا انفكاك عنها ، ولا يمكن تفاديها ولا التخفيف من حدتها ولا تقليص مدتها ، وأن عدم تعرض أصحاب الدعوات للمحن يشكك في صحة الطريق الذي يسلكونه ، فأنبياء الله الذين اصطفاهم الله أوذوا فصبروا كان الألم طريقهم للأمل الموصل للنصر والتمكين .

والقرآن يغرس في الأمة الأمل ويبشرها بالنصر القرآن ، وكذلك كانت انتصاراتها الأمة السابقة فى حطين حيث الغلبة على الرومان وعين جالوت حيث الغلبة  التتار فذلك   طريقها إلى الأمل واثقين بنصر الله تعالى .

 لكننا نؤمن بأن الأمل يجب أن يرافقه العمل؛ لان الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين ، وأن للغلبة والتمكين أسباب أولها التربية الجهادية ، القائمة  على التماس أسباب القوة وهي ثلاث : قوة العقيدة والإيمان وقوة الوحدة والارتباط وقوة الساعد والسلاح .

والحديث عن : الأمل يدفع إلى العمل يقتصي تعريف الأمل ودوره في حياة الأنبياء ، وكون القرآن يغرس الأمل ويبشر بالنصر ، وأن انتصارات التاريخية حافز إلى النصر القادم ،
وأن الحديث عن أنه : لا أمل بلا عمل ، يقتضي بيان ان الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين ، وأن للغلبة والتمكين  أسباب لا يمكن للأمة أن تنتصر بدونها ، وبيان ذلك في الآتي :

أولا : الألم يصنع الأمل :

إ - تعريف الأمل :

الأمل هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات ؛ بحيث ينتظر المرء الفرج واليسر لما أصابه، ويأمل في إنجاز ما فشل فـيه من قبل، ولا يمل حتى ينجح في تحقيقه .

ب - الأمل في حياة الأنبياء :

وفي المحن حيث الضيق والألم يشعر المؤمن بضعفه البشري وحاجته إلى الله القوي ، فيرجع إلى كتاب الله الكريم ويتدبر آياته ليجد أن الألم طريق المؤمن إلى الأمل ، فيتعرف على حال خير خلق الله الأنبياء الذين اصطفاهم الله كيف أوذوا فصبروا وكان الألم طريق الأمل ، فيصنع الأمل ويدفعه الألم إلى العمل .
روى الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَــدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : ( الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ) ، صححه الألباني
ومع شدة البلاء الواقع على الأنبياء نجد الأمل والرجاء جل أخلاقهم ، وهو الذي جعلهم يواصلون دعوة أقوامهم إلى الله دون يأس أو ضيق برغم ما كانوا يلاقونه من إعراض ونفور وآذي ؛ أملا في هدايتهم في مقتبل الأيام .

 - 1محمد صلى الله عليه واله وسلم :
قال الله تعالى : ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )
هذه الجملة القصيرة ذات الكلمات القوية الشجاعة سجلها القرآن الكريم على لسان النبي الأمين صلى الله عليه وسلم يطمئن بها صاحبه الصدّيق ،  وقد لحق يهما الكفار في الغار حال هجرتهما من مكة إلى المدينة وأحاطوا بهما من كل جانب ، بعد أن قال له لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله ، فقالها النبي ، فقال الله تعالى : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة/40.

 ( كيف بك إذا لبست سواري كسرى وتاجه )
قالها الرسول صلى الله عليه واله وسلم في أحداث الهجرة لسراقة  لما أدركما  ، وكان يسعى للحصول على جائزة القبض على رسول الله وتسليمه المشركين حيا او ميتا ، وكاد يمسك بهما ، فلما رآه سيدنا أبو بكر قال أُتينا يا رسول الله فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على سراقة فساخت يدا فرسه في الرمل  فقال سراقة : إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب ، فدعا له النبي صلى الله عليه ووعده سواري كسرى وتاجه .

( الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام ، وفارس ، و اليمن )
 ويربي أصحابه على الثقة واليقين بموعود الله، وعلى التفاؤل والأمل، في هول وشدة غزوة الأحزاب التي  وصفها الله هذا الموقف بقوله تعالى:   ( إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (الأحزاب ، فيروي البراء بن عازب قال: ( أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجاء فأخذ المعول ثم قال: باسم الله ، فضرب ضربة ، فكسر ثلث الحجر، وقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال : باسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال : باسم الله، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال : الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا )

- 2  نوح -عليه السلام :

قال الله تعالى : { قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا . ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا } نوح : 5-9.
ظل نبي الله نوح -عليه السلام- يدعو قومه إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عامًا، دون أن يمل أو يضجر أو يسأم، بل كان يدعوهم بالليل والنهار.. في السر والعلن ، فُرَادَى وجماعات ، لم يترك طريقًا من طرق الدعوة إلا سلكه معهم أملا في إيمانهم بالله ، فأوحى الله -تعالى- إليـه أنه لن يؤمن معه أحد إلا من اتبعه، فصنع السفينة ، وأنجاه الله هو والمؤمنين.

 - 3 يعقوب -عليه السلام :

قال الله تعالى : {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف:87،
ابتلى الله -سبحانه- نبيه يعقوب -عليه السلام- بفقد ولديْه: يوسف وبنيامين، فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى فقد بصره، لكنه -عليه السلام- ظل صابرًا بقضاء الله ، وازداد أمله ورجاؤه في الله سبحانه- أن يُعِيدَهما إليه، فقال لهم : ( تيأسوا من روح الله ) وحقق الله أمل يعقوب ورجاءه، وَرَدَّ عليه بصره وولديه.

 - 4 موسى -عليه السلام-:

قال الله تعالى : {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) 61 الى 66 الشعراء ،
حين طارد فرعون وجنوده موسى عليه السلام وقومه ، فظن أَصْحَابُ مُوسَى أن فرعون سيدركهم ، وشعروا باليأس حينما وجدوا فرعون على مقربة منهم، وليس أمامهم سوى البحر ، هنا ظهر الأمل عند موسى عليه السلام  فقال ( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) فأمره الله -سبحانه- أن يضرب بعصاه البحر، فانشق نصفين، ومشى موسى وقومه ، وعبروا البحر في أمان، ثم عاد البحر مرة أخرى كما كان، فغرق فرعون وجنوده، ونجا موسى ومن آمن معه.

- 5  أمل أيوب -عليه السلام :

قال الله تعالى : { وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } الأنبياء: 83
ابتلى الله سبحانه- نبيه أيوب عليه السلام في نفسه وماله وولده إلا أنه لم يفقد أمله في أن يرفع الله الضر عنه ، وكان دائم الدعاء لله ؛ ، فلم يُخَيِّب الله أمله ، فحقق رجاءه ، وشفاه الله وعافاه ، وعوَّضه عما فقده .

ج - القرآن يغرس في الأمة الأمل ويبشرها بالنصر :

أمة القرآن أمة محمد يبشرهم ربهم بأنهم الأعلون  :
وإن كانوا في أحط منازل القدرة المادية ، وإن كنا في وقت من الأوقات في دائرة الهزيمة العسكرية القرآن. { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } آل عمران/139 .

أمة القرآن تثق دائما بنصر الله :

لقول الحق تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } التوبة/32، 33 .

أمة القرآن بالوعد الرباني :

حين قال الله تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } الروم/47 { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } غافر/51 { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ } إبراهيم/27 .

ونصر الله لعباده المؤمنين يقين لا يتزعزع :

يعيشه المسلم حتى في أوقات الشدة التي لا تطاق ، واثقا في قول تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ، أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } البقرة/214 .

د - انتصاراتها الأمة  طريقها إلى الأمل في النصر القادم :

نحن أمة حطين التي استعادت فلسطين دون أن يمر على احتلالها قرن من الزمان .
نحن أمة عين جالوت التي انتصرت في معركة واإسلاماه على التتار الذين أبادوا الأخضر واليابس وقتلوا مئات الآلاف من المسلمين حتى كان مجرد ذكر إسمهم تنخلع له القلوب وحتى كان بعض المسلمين قد أيس أن يكون ثمة قدرة على مواجهة .
نحن أمة عبدا لقادر الجزائري الذي قاد التحرير ضد فرسنا من الجزائر .
نحن أمة عبد الكريم الخطابي الذي أخرج بقيادته الفرنسيين من المغرب .
نحن أمة عبد القادر الحسيني الذي جاهد الإنجليز واليهود في فلسطين .
نحن أمة نحن أمة عمر المختار البطل الذي أخرج الإيطاليين من ليبيا .
نحن أمة أطفال الحجارة وشباب الانتفاضة ورجال المقاومة، وأبطال الجهاد في فلسطين الذين علموا الدنيا كلها أن الإيمان واليقين لا يهزمه شيء مهما كانت القوى المدججة بالسلاح .
نحن أمة قوة وعزة، نحن أمة إيمان ويقين، لا يمكن أن تهزمنا الأحداث ، لكننا لا نبقى مع الأمل الحالم ، بل مع الأمل المدعوم بالعمل كما كانت أمتنا في كل وقت وحين .

ثانيا : لا أمل بلا عمل :

الأمل يجب أن يرافقه حسن العمل؛ لأن الذي يحسن الظن ويحسن العمل هو الذي يحسن الظن حقيقة بربه ، أما الذي يحسن الظن بالله ويسيء العمل فهذا يسيء الظن بالله  ، يقول الحسن البصري : [ إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ]

أ - الأخذ بالأسباب منهج ألهي في إقامة الدين :

يقول السيد قطب في كتابه هذا الدين : المنهج الإلهي، الذي يمثله "الإسلام" في صورته النهائية، كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، لا يتحقق في الأرض، وفي دنيا الناس، بمجرد تنزله من عند الله. لا يتحقق بكلمة: “كن” الإلهية، مباشرة لحظة تنزله. ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه. ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب.
إنما يتحقق بان تحمله جماعة من البشر. تؤمن به إيماناً كاملاً، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها- وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك... تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى للوقوف في وجه الهدى...
ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها بقدر ما تبذل من الجهد . وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال. وقبل كل شيء... بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي.
إن الله قادر - طبعاً - على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه. ولكنه - سبحانه - شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها ، وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " .

ب - أسباب الغلبة والتمكين :

الله عز وجل يقول : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾ سورة النور الآية : 55 .
هذا وعد من الله تعالى لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين لهم في الأرض ، ولكن سنة الله غلابة فلا ينزل نصره إلا بإلتماس الأسباب الحقيقية الكامنة وراء النصر والغلبة والتي لا يمكن لجماعة مؤمنة أن تنتصر بدونها وهي :

1 ـ الإيمان بالله :

الإيمان هو السبب الأول لنصرة الإسلام والتمكين للمسلمين في الأرض فهذا وعد الله تعالى كما أثبت القرآن الكريم :قال الله تعالى -: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة النور (55).
والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم :يقوله الله تعالى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة الأنفال (2).
وقال سبحانه أيضا: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} سورة الأنفال (3-4).

 . 2 طاعة الله ورسوله  :

وإشترط الله تعالى تحقيق نصره لعباده بنصرة العباد له سبحانه فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) سورة محمد الآية 7.
ونصر الله من المؤمنين هو : طاعتهم لله تعالى باتباع شريعته ونصرة دينه والقيام بحقه تعالى ، مع اليقين بأن الله سبحانه ليس في حاجة إلى عباده بل هم المحتاجون إليه .
فالجماعة المؤمنة يجب أن تكون حريصة على طاعة ربها وطاعة رسولها ، تتحرى وتلتزم في كل شئونها وأحوالها بشرع الله ، دون أن تقدم بين يديه شرائع الهوى والطاغوت .
يقول الله تعالى ـ : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا } ( الأحزاب : 36 .

 - 3 التماس أسباب القوة وهي ثلاث  :

أولها : قوة العقيدة والإيمان :
وبها يقوم الفرد المسلم ، وتتمثل في الإيمان بالله والتوكَّل عليه ، والحياة في معينه سبحانه ، كما ربى رسول الله ابنِ عبّاسٍ-رضي الله عنه- حيث قال : ((يا غلام، إني أعلِّمُك كلمات: احفظِ اللهَ يحفظْك، احفَظِ الله تجِدْه تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنّ الأمةَ لو اجتمَعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمَعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلامُ وجفَتِ الصحف)) رواه الترمذي.

وثانيها : قوة الوحدة والارتباط :
وبها تتماسك الجماعة ويتوحد الصف ، وعنها قال تعالى :(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» .
وقوة الوحدة والإرتباط ضمان عدم التفرق والتنازع المؤدي الى الفشل والهزيمة ، ووقاية من تشقق صف الجماعة وتتفرق كلمتها ، ولذلك يحذر رب العالمين منها حين يقول سبحانه: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}54 .

وثالثها : قوة الساعد والسلاح :
وهي َضرورية لحماية الأوطان من العدو الغادر ، ولنشر الإسلام بقيام فريضة الدعوة إلى الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يحتاج إلى قوة ، لذلك كان النداء الرباني للجماعة المسلمة : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [(60) سورة الأنفال].

4  ـ التربية الجهادية  :

ولن يتمكن المسلمون ولن ينتصر دينهم إلا إذا سلكوا مسلك الأولين عرفوا أنهم أمة جهاد وحركة جهاد فعاشوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، يقولون الحق ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون العدل ، ولا يخشون في الله لومة لائم ، وكانوا لا يرهبهم سطوة حاكم ، أو سوط جلاد ، ولا حبل مشنقة ، بل إنهم ليستعذبونه في سبيل الله ،
فيجاهروا الطغاة الظالمين بكراهة باطلهم وجاهليتهم ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ، ومجاهدتهم باليد بالدفع والإزالة من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية والبطش الغشوم ،
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [(7) سورة محمد] فلا بد من الأخذ بالأسباب بالنصر والتمكين.

الخميس، 29 ديسمبر 2016

التغافر والتغافل سياج الأخوة ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي

الأخوة من نعم الله تعالى ، فإذا استوفت شروطها وجبت محبة الله لعباده كما في الحديث القدسي: ( وجبت محبتـي للمتحابين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ ) رواه أحمد  ، وتكرار لفظة " فيّ" في هذا الحديث القدسي يقطع بأن قوة الأخوة تكمن في إخلاص المصاحبة والصداقة لله .
والأخوة في الله تآلف بين القلوب واتحاد بين النفوس، لأن راية المؤمنين واحدة، وغايتهم واحدة، وطريقهم واحد ، ومن ثم تتلاشى بينهم الأحقاد والضغائن والأطماع والوساوس، لأن القلوب الصافية النقية تملك القدرة على التغافل عن الخطأ والتغافر من الذنب ، فيبين الله تعالى حال هؤلاء وهم يدعون لبعضهم بعضا : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) سـورة الحـشر :10 .
يقول الإمام أحمد : "تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل" .
فما معنى كل من التغافل ، والتغافر وما مشروعيتهما وكونه من أخلاق السلف  ؟ ، وما الداعي إليهما ؟ ، وما ثمراتهما ؟ والإجابة في هذه السطور .

.
أولا : التغافر معناه ومشروعيته وتخلق السلف به  :

.
أ - معنى التغافر :

 . 1 التغافر لغة  : تَغافَرَ ( فعل ): طلب المغفرة .
وتَغَافَرَ القومُ : دعاء كلُّ واحدٍ منهم لصاحبه بالمغفرة .

. 2  التغافر اصطلاحا : والتغافر : أن تقول لأخيك المخطئ رب اغفر لي ولأخي هذا ، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك .

ب - مشروعية التغافر :

ولقد أمر الإسلام بالعفو والصفح والتغافر :
 . 1 قال تعالى: ( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) التغابن:14 .
 . 2 وقال أيضاً: (... وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) النور/ 22 .
 3 .)  وقال أيضاً: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون َ) الجاثية :14

ج – التغافر من أخلاق السلف  :

ومن الأمثلة الراقية عن التغافر لدى السلف الصالح ما يأتي :
1. روي أن صديقا حدث له ما يغضبه من ابن السماك فقال له : الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب "فرد عليه ابن السماك رحمه الله تعالى بأبلغ جواب قال : بل بيني وبينك غدًا نتغافر" .

2. روى ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة، فعثرت فصبّت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: "يا مولاي! استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ}، فقال: "قد فعلت"، فقالت: "اعمل بما بعده": {والعافين عن الناس}، قال: "قد عفوت"، فقالت: "اعمل بما بعده" {والله يحب المحسنين} (آل عمران:134)، فقال ميمون: "أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى".

3. دخل عمر بن عبد العزيز المسجدَ في ليلةٍ مظلمة، فمرَّ برجل نائم فعَثَر به، فرفع الرجلُ رأسَه وقال: أمجنونٌ أنت؟ (وما علم أنَّه أمير المؤمنين)، فقال عمر: لا، فهمَّ به الحرس، فقال عمر: مَهْ، إنَّما سألني أمجنون؟ فقلت: لا.

4. خرج يومًا إبراهيم بن أدهم رحمه الله يمشي فمرَّ على رجلٍ من اليهود وكان معه كلب، فأراد الرَّجل أن يُغضب إبراهيم، فقال الرجل لإبراهيم: يا إبراهيم، لحيتُك هذه أطهر من ذَنَب كلبي أم ذَنَبُ كلبي أَطهر من لحيتك؟ فإذا إبراهيم يقول: إن كنتُ من أهل الجنَّة فإنَّ لحيتي أطهر من كلبك، وإن كنتُ من أهل النَّار فذَنَب كلبك أَفْضل من لحيتي، فقال الرجل: هذه أخلاق النبوَّة، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

.
ثانيا التغافل من أخلاق السلف  :

أ - معنى التغافل :

. 1  التغافل لغة : هو : تعمد الغفلة .

 . 2 التغافل اصطلاحا : هو : إعراضك عن قول أو فعل صدر من صديق وانت تتيقن غرضه السيء منه ، وتقابل ذلك بالتحلم والتسامح في التعامل معه .
وعرف - كذلك - بأنه : قصد الإنسان للغفلة، مع العلم والإدراك بما يتغافل عنه ؛ تكرما وترفعا عن سفاسف الأمور.

فالمتغافل : من يتعمد الغفلة عن أخطاء وعيوب مَن حوله، مع أنه مدركٌ لها وعالمٌ بها ، وكذلك يتغافل عن ما يقع أمامه من المواقف المحرجة للبعض , فمن حسن الخلق التغافل عن ذلك وعدم إشعار صاحب الموقف بأنه شوهد أو شُعِر به.

ب – مشروعية التغافل :

قد علّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا الخلق الكريم والأدب الرفيع ، وهذه أمثلة لذلك :
1. أسرّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بعض أزواجه ببعض الأسرار ونبأت به وأظهره الله تعالى عليه، فلم يعاتب عليه الصلاة والسلام بكل ما علم حتى لا يُحرج زوجته بمواجهتها بكل ما قالت، وفي ذلك قال الله تعالى : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير  )

2. عن أنس رضي الله عنه قال : ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ, وما قالَ لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟ ) متفقٌ عليه .

3. وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف داعيًا ، يحدوه الأمل في هداية ثقيف وذهب إليهم بقلب يحمل الخير والهدى للعالمين ، إلا انه لاقى منهم وقد استهزؤا بشخصه الكريم ، وسلطوا عليه سفهاءهم فرجموه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء ، وحين رفع صلى الله عليه وسلم اكف الضراعة إلى الله داعيا لم يطلب إهلاكهم أو تعذيبهم ، غير عابئ بجراحه البدنية وآلامه النفسية السالف بيانها ، فقط امتزجت كلماته بحرقه وجدانه الخائف على نفسه من غضب الله  ، ولم يستجب لطلب ملك الجبال حين قال : إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ ‘‘ ، فقال صلى الله عليه وسلم بكل رحمة وعفو ، ‘‘ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ’’

ج - التغافل من أخلاق السلف  :

ومن الأمثلة الراقية عن التغافل لدى السلف الصالح ما يأتي :
1. وروى عن أبو علي الدقاق انه قال : جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة ، فحدث أن خرج منها صوت في تلك الحالة فخجلت ، فقال حاتم : ارفعي صوتك فأوهمها أنه أصمّ فسرّت المرأة بذلك ، وقالت : إنه لم يسمع الصوت ، فلقّب بحاتم الأصم .

2. ومنها ما ذكره ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال : إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد.

3. ولقد دخل رجل على الأمير المجاهد قتيبة بن مسلم الباهلي، فكلمه في حاجة له، ووضع نصل سيفه على الأرض فجاء على أُصبع رجلِ الأمير، وجعل يكلمه في حاجته وقد أدمى النصلُ أُصبعه، والرجل لا يشعر، والأمير لا يظهر ما أصابه وجلساء الأمير لا يتكلمون هيبة له، فلما فرغ الرجل من حاجته وانصرف دعا قتيبة بن مسلم بمنديل فنمسح الدم من أُصبعه وغسله، فقيل له: ألا نحَّيت رجلك أصلحك الله، أو أمرت الرجل برفع سيفه عنها فقال: خشيت أن أقطع عنه حاجته.

.
ثالثا : لماذا التغافر والتغافل ؟

أ - لأن كل ابن آدم خطاء :

الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ينجو منه أحد إلا من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين ، ولقد صدر الخطأ عن أصحاب النبي الكرام صلى الله عليه وسلم ، والعلماء والأولياء يخطئون أيضا ، ، وبيان ذلك في الآتي :
لقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " أخرجه الترمذي .
وعن خطأ الصحابة الكرام رضي الله عنهم وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين من الخطأ ، قال عليه الصلاة والسلام : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" أخرجه مسلم والترمذي .
وعن خطأ العلماء والأولياء قال الإمام الترمذي : "وإنما تفاضل أهل العلم بالحق الصدق والإتقان ، والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم" .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ليس من شرط أولياء الله المتقين ترك الصغائر مطلقاً ، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه توبة .
وإذا كان لا عصمة لبشر فمن مصلحة الجميع أن يتغافل ويتغافر بعضهم عن ذنوب بعض حتى تتصافى القلوب وتطيب النفوس وتبقى الأخوة الصادقة على قلب رجل واحد لتقيم شرائع الإسلام ومناهجه .
ومن ناحية أخرى يقول الإمام ابن القيم : يا ابن ادم .. إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لا يعلمها إلا هو , فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده , وأن أحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده , فإنما الجزاء من جنس العمل .

ب - الخطأ اليسير مغتفر في جانب الخير الكثير :

نتغافر ونتغافل عن أخطاء إخواننا لأن المسلم يوزن بسيئاته وحسناته معا ، فأيهما غلب كان الحكم له ، كما قال تعالى : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) المؤمنون : 102 ، 103 .

فمن كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة وطريق الفوز والفلاح ،  وبيان ذلك في الآتي :
قال الحافظ ابن رجب : "والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" .
وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" أخرجه أبو داود .
قال الشافعي : "ذوو الهيئات الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة" .
وبهذا المنهج عامل النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لكفار قريش عن تحرك جيش المسلمين لغزوهم ، فقال عمر : إنه خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أليس من أهل بدر ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم" رواه البخاري.
وعن هذه الواقعة قال ابن القيم رحمه الله : فدل ذلك على أن مقتضى عقوبة حاطب قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه لما له من المشهد العظيم ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات" .

ج - تجنب الجدال والمراء والخصومة :

التغافر والتغافل عن الأخطاء بين الأحباب ضرورة حتى لا نقع في مذمة الجدال والمراء والخصومة ، قال الإمام النووي – رحمه الله : ( مما يذم من الألفاظ المراء , والجدال , والخصومة  ) .
والمراء كما عرفه الإمام أبو حامد الغزالي : هو طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه , لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه .
ولكون ترك المراء شاق على النفوس التي اعتادته ، فقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم من تركه بهذه البشارة العظيمة : فقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا ) رواه أبو داود وحسنه الألباني .
الجدال المذموم الذي يكون على وجه الغلبة والخصومة والانتصار للنفس ونحو ذلك ، كقوله -صلى الله عليه وسلم : ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل ) ، ثم تلا قوله تعالى ( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) أخرجه الترمذي .
وقال الأوزاعي : ( إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ، ومنعهم العمل ) .
وقال محمد بن علي بن حسين – ( الخصومة تمحق الدين ، وتنبت الشحناء في صدور الرجال .

د - سلامة الصدر تجاه المؤمنين  :

التغافر والتغافل عن الأخطاء بين الأحباب ضرورة لسلامة الصدر ونقاء القلب، امتلاؤه إيمانًا ويقينًا وتقوى ومحبة ورحمة ، وخُلوُّه من كل غلٍّ وحسد وحقد على المسلمين.
والصدر السليم هو الذي لا غشَّ فيه، ولا غلَّ فيه، ولا حقد فيه، ولا حسد فيه، ولا ضغينة فيه، ولا كراهية ولا بغضاء فيه لأحد من المسلمين.
وقال الفضيل بن عياض : ( لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صلاة ولا صيام ، وإنما أدرك بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للأمة )

.
رابعا : من ثمرات التغافر والتغافل :

أ - الستر وعدم الإشاعة :

التغافر والتغافل وسيلة فعالة لستر العيوب والأخطاء ، وغلق أبواب الإشاعات المغرضة وحماية أعراض المؤمنين ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" رواه البخاري  .
ومن الستر بيان الأخطاء دون التعرف للأشخاص ما أمكن ذلك ، ومن ذلك حديث القبرين اللذين مر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير" رواه البخاري ، فلم يذكر اسمي الرجلين ، بل أشار إلى ما وقعا فيه من الخطأ محذراً من ذلك ، فحصل المقصود والغرض .
ومن الستر أيضا استخدام أسلوب التعريض وعدم فضح صاحب الخطأ ، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ) أخرجه البخاري  .

ب - تحول العداوة إلى صداقة  :

إنّ مجتمع المؤمنين لا ينبغي أن تقوم فيه المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات، والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة. وإنما ينبغي أن تقوم فيه المعاملة على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الشرع، وحثّ عليه رب العالمين: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فصلت: 34، 35 .

ج - العفو والصفح :

العفو : التجاوز وترك الانتقام ، والصفح : ترك التأنيب والعتاب .
العفو والصفح من ثمرات التغافر والتغافل ، وبهما تخلو القلوب من العداوة ويغيب تربَّص الفرصََ للانتقام ، فلا إضمار للشّرَّ لمن أساء ولا تكدر لعيشُة الأحباب ولا اضطراب لنفوسهم ولا وهنَ لأجسادهم ، ولا نيل من أعراضهم ، فلا مكان للمحبة والأخوة في الله تعالى إلا بسلامةِ القلب من وسَاوس الضغينة وغواشي الغِلّ ونيران العداوة وحسائِك الحقد .
قال الله تعالى : ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ الأعراف: 199 .
وقال سبحانه ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ البقرة: 109 .
 وقال الله تعالى أيضا : ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ المائدة: 13 .
وقال الله تعالى أيضا : ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾  الحجر: 85.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

مراقبة الله ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي

مراقبة الله مفهومها ، ورودها في القرآن والسنة ، درجاتها ، فضلها ، وكيفية تحقيقها ، والطريق اليها ، قصص حولها .

المراقبة لغة:

مصدر مأخوذ من راقب يراقب مراقبة، وتدل على الانتصاب لمراعاة الشيء.
والرقيب : الحافظ .
وراقب الله في أمره : أي خافه.

المراقبة شرعا :

قال المحاسبي: ( المراقبة دوام علم القلب بعلم الله عز وجل في السكون والحركة علماً لازماً مقترناً بصفاء اليقين ) .

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:
 المراقبة : هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه ،
فاستدامته لهذا العلم، واليقين بذلك هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، مطلع على عمله.
ومن راقب الله في خواطره ؛ عصمه الله في حركات جوارحه ..

ثانيا : المراقبة في الكتاب والسنة :

أ- في القرآن الكريم  :

 1 . قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} سورة آل عمران : 5.
2 . وقال سبحانه : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ٌ} سورة الحديد : 4.
3 . وقال سبحانه : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } سورة غافر : 19 .
4 . وقال سبحانه : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} سورة البقرة: 235 .
5 . وقال سبحانه : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا } سورة الأحزاب : 52.
6 . وقال سبحانه : { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ٰ} سورة العلق: 14 .

ب - في السنة النبوية  :

1 .  عن معاذ رضي الله عنه قال يا رسول الله أوصني { قال اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا وأشار بيده إلى لسانه } قال الألباني صحيح لغيره .

2 . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " متفق علي  رواه البخاري .
وإذا نظرت إلى هؤلاء السبعة تجد أن الشيء المشترك والوصف الذي تحقق فيهم جميعاً هو المراقبة لله تبارك وتعالى.

3 . في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم؛ كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) رواه البخاري .

ثالثاً:  درجات المراقبة:

أ - الدرجة الأولى: استدامة السير إلى الله والقرب إليه مع الأنس والسرور به:

قال ابن القيم في معرض شرحه لهذه الدرجة: "فإن الحضور يوجب أنساً ومحبة، وإن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجاً عن حدود العبودية ورعونة ، فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه ، والسقوط من عينه . وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم ، واللذة التي يجدها في تلك المداناة ، فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقُرّة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة... ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل، وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته" .

ب - الدرجة الثانية: مراقبة الله بصيانة الباطن والظاهر:

قال ابن القيم شارحاً لهذه الدرجة: "هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبة لصفة خاصة معينة، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة" .

ج- الدرجة الثالثة: مراقبة الله بشهود انفراده سبحانه بأزليته وحده، دوكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه:
قال ابن القيم مبينا معنى هذه الدرجة: "وهذا الشهود متعلّق بأسمائه وصفاته، وتقدُّم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي، فهذا الشهود يُعْطي إيماناً ومعرفة، وإثباتا للعلم والقدرة، والفعل، والقضاء والقدر .


رابعاً: فضيلة المراقبة:

أ - أن المراقبة سبب من أسباب دخول الجنة:

قال تعالى: {هَلْ جَزَاء ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ} [الرحمن:60].
قال ابن القيم مفسراً الآية: "الإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنك تراه... وفي الحديث إشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل، ومراقبته، ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان" .

ب - أن بها يكسب العبد رضا الله سبحانه :

قال تعالى: {رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ} [البينة:8].
قال أهل العلم: "ذلك لمن راقب ربه عز وجل، وحاسب نفسه وتزود لمعاده" .

ج - باعثة على المسارعة إلى الطاعات:

قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101].
قال القصري: "إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وسعه، فهذا حال المحب الذي يعبد الله كأنه يراه" .

د-  يحصل بها معية الله وتأييده:

قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل:128].
قال ابن كثير: "أي معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة" .

هـ-  معينه على ترك المعاصي والمنكرات:

قال ابن الجوزي: "فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط" .
وقال ابن القيم:  "فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته"[9].

و- من أفضل الطاعات وأعلاها:

قال ابن عطاء: "أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات".

ز- أنها من خصال الإيمان وثمراته:

قال القصري: "فأما كونه من الإيمان فبيّن؛ لأنه في نفسه تصديق بالنظر إلى الله في الحال، أو تصديق بأن الله ينظر إليه، إلا أنه ثمرة الإيمان، وأعلاه وخالصه" .

ح- بالمراقبة يسعد العبد، وتصلح أحواله في الدارين:

قال ابن علان: "فينبغي ألا يشتغل إلا بما فيه صلاحه معاشاً ومعاداً، بتحصيل ما لا بد منه في قوام البدن، وبقاء النوع الإنساني، ثم بالسعي في الكمالات العلمية، والفضائل العلية التي هي وسيلة لنيل السعادة الأبدية... وذلك إنما يكون بالمراقبة، ومعرفة أن فيما يأتيه بمرأى ومسمع من الله سبحانه وتعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من شأنه" .

خامساً: كيف تراقب الله؟:

أ- أن تنظر قبل العمل وأثناءه :

للمراقب أن ينظر قبل العمل الى همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس و الحق، فإن كان لله تعالى أمضاه، وإن كان لغير الله استحيا من الله، وانكف عنه، ثم لام نفسه على رغبته فيه، وهمه به، وميله إليه، وعرّفها سوء فِعْلها، وأنها عدوّة نفسها" .

ب-  أن تراقب الله قبل الهم بالمعصية فتكفّ عنها :

إن العبد مأمور بأن يعلم أن الله يراه، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه، ويبصرُه على أي حالة كان، وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور كفَّ عن المعصية ورجع عنها" .

ج- أن تراقب الله بعد الوقوع في المعاصي بالتوبة:

قال ابن القيم: "ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع" .

د- مراقبته في المباحات بشكره سبحانه على نعمه :

قال ابن القيم في مدارج السالكين : "ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم، فإنه لا يخلو العبد من نعمة لا بد له من الشكر عليها".

     سادساً: الطرق المعينة على المراقبة:

أ- التعبد لله بأسماء الله وصفاته العلى :

ومن المراقبة التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة" .
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء/1، وقال: ( إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) هود/57 ، وقال: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ [المجادلة/7]، وقال:  ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الإسراء/1 .

ب- قطع أشغال الدنيا عن القلب وتعاهده بالرعاية والعناية :

جاء في كتاب الوصايا : سئل المحاسبي: عن ما يوصل المرء إلى حالة المراقبة ، فأجاب : "قطع علائق الأشغال، ولزوم العلم، والتعاهد بالعناية والرعاية" .

ج- تعظيم الله سبحانه وتعالى :

إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه الحياء من الله، والهيبة له، فاستحى  أن يطلع الله على قلبه وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، تتحرك بما يكره، فطهّر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه" .

د- التفكر في أمور الآخرة:

 فإن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة من موت، وقبر، وحشر،... وعلى أنه معروض على الله في ذلك العالم ومواطنه؛ تهيأ لذلك العرض"

ه - العلم بشهادة الجوارح في الآخرة.

قال تعالى: }حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) 20 فصلت
وقال تعالى: }الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [يس/65].

و - العلم بشهادة الأرض بما عُمِل فوقها من المعاصي.

قال تعالى: ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا » رواه الترمذي.


سابعا : قصص في المراقبة :
جاء في  إحياء علوم الدين أن عبد الله بن دينار قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرّسنا في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال: فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تُعتقك في الآخرة .

سابعا قصة في المراقبة :
قصة عمر بن الخطاب حين كان يتفقد رعيته ليلاً، إذ مر على باب من أبواب بيوت المدينة، فسمع امرأة تهيئ اللبن لتبيعه نهارًا، فخلطته بالماء، فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر نهانا أن نخلط الماء باللبن، فقالت لها أمها: ولكن عمر لا يرانا الآن، فقالت الفتاة المؤمنة: ولكن رب عمر يرانا.

قصة أخرى :
قصة عمر بن الخطاب حين كان يتفقد رعيته ليلاً، إذ مر على باب من أبواب بيوت المدينة، فسمع امرأة تهيئ اللبن لتبيعه نهارًا، فخلطته بالماء، فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر نهانا أن نخلط الماء باللبن، فقالت لها أمها: ولكن عمر لا يرانا الآن، فقالت الفتاة المؤمنة: ولكن رب عمر يرانا.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

الكلمة الطيبة رسالة إعداد : محمد أبوغدير المحامي

قال الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ إبراهيم: 24-26 .

الكلمة الطيبة رسالة : تزكو بها الأنفس والأرواح ويفتح الله بها قلوب عباده ، والكلمة دعوة إلى الله : فهي أحسن ما يقال في الأرض ويصعد إلى السماء ، والكلمة الطيبة إصلاح وجهاد : فهي معراج للطهر وسبيل إلى الصلاح وأفضل جهاد في مواجهة السلطان الظالم ،
والكلمة أمانة وشهادة : فهي السبيل لوصول الولاية لمن يستحقها عبر صندوق الانتخاب فبها لا  يصل إلى الولاية إلا مستحقيها فالناخب إما أن يكون شاهد حق ، أو شاهدة زور ، ومن ثم فمن حقوق الناخب : أن يعرفة المهمة التي التي يقوم بها للمرشح حال فوزه و من واجب العلم بشخصية المرشح وسماته قبل إنتخابه .
وبيان ذلك في الصفحات الآتية :


أولا : الكلمة الطيبة تزكية للنفس ودعوة للغير :

أ - الكلمة تزكية للنفس  :

فالكلمة الطيبة تخرج من لسان العبد الصالح تكون عنوانه ودليله ولباسه الساتر وجماله الظاهر وعطره الفواح ، فيفتح الله بها قلوب العباد وتزكو بها أرواحهم .
والكلمة الطيبة ذكر لله تعالى وتسبيح وتهليل وتكبير، وحمد ودعاء، وشكر وقراءة قرآن ، وعلم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصيحة نافعة، وغير ذلك من العبادات القولية.
قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ فاطر: 10
والمؤمن الحق يعلم أن سلامة إيمانه مرتبط بنزاهة لسانه قال صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري ومسلم .
ويقول صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً من رضوان الله يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم ) رواه البخاري ومسلم .

ب - الكلمة الحسنة دعوة إلى الله :

قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 33) سورة فصلت
وكلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال في الأرض ، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء . ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ؛ ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات . فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ .
والكلمة الطيبة الخالية من السباب وتجريح الأعراض، وإيذاء الأسماع وإيلام القلوب ووغر الصدور تنزع العداوة من القلوب وتزرع المحبة والولاية بين المؤمنين ، قال الله تعالى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) 34 سورة فصلت
وليس للداعية أن يرد بالسيئة ، فإن الحسنة لا يستوي أثرها كما لا تستوي قيمتها مع السيئة والصبر والتسامح ، والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر ، يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة ، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ، ومن الجماح إلى اللين .

ثانيا : الكلمة الطيبة إصلاح وجهاد :

.
أ - الكلمة منهج إصلاح :

والمؤمن الحق يشعر بقيمة كلمته فهي معراج للطهر وسبيل إلى الصلاح والإصلاح في الدنيا ، والفوز والنجاة في الآخرة ، يقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا ) سورة الأحزاب: الآيتان 70-71 .
وللكلمة الطيبة قوة عظيمة في الانتصار على النفس خاصة عند الخصام والجدال والعداوة حينما تصدر من المؤمن القوي الحق الذي ينتصر على نفسه. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم  ) :ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ( متفق عليه  .
والكلمة الطيبة لها آثارها الحسنة العاجلة والآجلة على صاحبها وعلى من بلغته ، فكم من كلمة طيبة غيرت مجتمعاً من الشر إلى الخير ، ومن الذل إلى العز، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة.

ب - الكلمة أفضل جهاد :

إن كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قيلت في مواجهة صاحب السلطان فقد يتعرض من قالها للأذى والهلاك ، لذلك كان أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف .
أخرج الإمام أحمد في مسنده : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل قال : ( كلمة حق عند سلطان جائر ( .
وإنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير ، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير ، وإن مات فى سبيلها فهو سيد الشهداء كقوله صلى الله عليه وسلم ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله )

.
ثالثا : الكلمة أمانة وشهادة :

من أعظم الأمانات ولاية أمور الناس ، وقد تكون الولاية عامة وضخمة كرئيس الدولة الذي يحكم أو البرلمان الذي يسن التشريعات والقوانين ، وقد تكون الولاية خاصة وبسيطة كاختيار مجلس إدارة نادي أو جمعية .
ومن الأمانة أن تعطى الولاية لمن يستحقها من أهلها ، وتستحق هذه الولاية بكلمة يدلي بها الناخب في انتخاب يشهد بها على كفاءة المرشح على تولي الولاية ، لذلك كانت الانتخابات أمانة وشهادة .

أ - معنى الانتخاب :

 1 . الانتخابات لغة :
انتخب الشيءَ : اختارَه.
ونُخْبةُ القَوم ونُخَبَتُهم : خِيارُهم.

2 .  الانتخابات اصطلاحا :
هي تلك العملية التي بواسطتها يقوم المواطنون باختيار ممثليهم لاستلام مناصب السلطة التشريعية أو التنفيذية أو المؤسسات المحلية، وذلك من خلال التصويت .

3 . والتصويت :
هو قيام الفرد باختيار أحد المرشحين لتمثيله في الهيئات المنتخبة التي تتولى إعداد القوانين أو في بعض مناصب اتخاذ القرارات.

ب - الانتخابات أمانة :

قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء :58 .
والانتخاب أمانة للناخبين كي يولوا هذه الولايات مستحقيها ، ممن هم كفؤ لها ، فإن الناخب أعطي هذه الأمانة وهي تولية من يعتقد أنه الأصلح للمنصب الذي ينتخب له ، وعلى الناخب أن يؤدي الأمانة ولا يضيعها .
سأل أبو ذر الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فكان الجواب صريحا وواضحا قال صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها )   .
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن يزيد بن أبي سفيان قال : قال لي أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، ذلك أكثر ما أخاف عليك ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم  ) .
وأخرج الشيخان عن معقل قال : سمعت رسول الله يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
وفي كتاب السياسة الشرعية يقول ابن تيمية رحمه الله : فليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجودة من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذ الولاية بحقها ، فقد أدى الأمانـة وقام بالواجب في هذا  .

ج - الانتخـاب شهادة  :

الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ، لقول ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( أترى الشمس ؟ قال نعم ، فقال : على مثلها فاشهد ، أو دع ) رواه
والشهادة أمر خطير دنيا ودينا ، لذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في شهادة الزور ، وجعلها صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر فقال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) رواه مسلم .
فكلمة الناخب إما أن تكون شهادة حق ، أو شهادة زور ، فإذا تحققت شروط الناخب ، وأدى الشهادة كما يرضي الله ورسوله فهذه شهادة حق يثاب عليها حال إدلائه بصوته ، وتبقى صدقة جارية يثاب هذا الناخب على كل عمل خير يقوم به هذا المرشح بعد فوزه .
أما إذا أعطى صوته لمرشح ليس كفئاً ، وكان بين المرشحين من هو أرضى منه لله ورسوله ، فهذا الانتخاب شهادة زور والعياذ بالله ، وقد سبق تشديد الوعيد لشهادة الزور ، وأنها تعدل الشرك بالله .

د - حق الناخب وواجبه  :

1 .  الحق في معرفة المهمة التي يرشح لها :
فمن حق الناخب على الجهة المشرفة على الانتخاب أن تحيطه علما بالمهام والواجبات التي تقع على عاتق من يشغل الموقع المرشح له ، وكذلك بيان دوره في المجتمع وأهميته .

2 .  واجب العلم بشخصية المرشح وسماته :
ولقد لخص القرآن الكريم السمات العامة للمسئول في القوة والأمانة حال ذكر حكاية عن بنت الرجل الصالح شعيب ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص : 26 .
ومن ثم ينبغي أن تتوفر في المراد انتخابه ثلاث صفات رئيسة هي :
 * أن يكون لديه معرفة وإلمام بالحاجات المرتبطة بالناس وبالقوانين الخاصة بالشأن المرشح له حتى يتمكن من أداء دوره بنجاح.
 * أن يمتلك القوة والجرأة التي تمكنه من الدفاع عن حقوق المواطنين ضمن إطارها الطبيعي.
 * أن يكون لديه شعور بالمسؤولية تجاه الناس الوطن ، والأمانة المانعة من أن يستغل الموقع لمصالحه الشخصية .
وعليه يجب على الناخب أن يتحقق من وجود تلك السمات في شخصية المرشح حتى ينتخبه .

3 .  وسؤال أهـل الـذكر إن كان لا يعلم :
بهذا العلم يتمكن الناخب من المقارنة بين المرشحين ، ويعرف الأفضل منهم والأرضى لله ورسوله فينتخبه أو يشهده بأنه هو الأصلح لهذه المهمة ، وعندئذ تكون شهادته صحيحة ، وموافقة للشرع .
أما إذا كان الناخب لا يقدر على أداء الشهادة صحيحة على النحو السالف بيانه ، لكونه لا يعرف المرشحين ، فيتعين عليه أن يسأل عنهم من يثق بدينهم وعلمهم ليعرف من هو الأرضى لله ورسوله فيقدم له صوته .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من استعمل رجلا ً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) رواه الحاكم3 والتصويت :
هو قيام الفرد باختيار أحد المرشحين لتمثيله في الهيئات المنتخبة التي تتولى إعداد القوانين أو في بعض مناصب اتخاذ القرارات.

ب - الانتخابات أمانة :

قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء :58 .
والانتخاب أمانة للناخبين كي يولوا هذه الولايات مستحقيها ، ممن هم كفؤ لها ، فإن الناخب أعطي هذه الأمانة وهي تولية من يعتقد أنه الأصلح للمنصب الذي ينتخب له ، وعلى الناخب أن يؤدي الأمانة ولا يضيعها .
سأل أبو ذر الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فكان الجواب صريحا وواضحا قال صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها )   .
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن يزيد بن أبي سفيان قال : قال لي أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، ذلك أكثر ما أخاف عليك ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم  ) .
وأخرج الشيخان عن معقل قال : سمعت رسول الله يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
وفي كتاب السياسة الشرعية يقول ابن تيمية رحمه الله : فليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجودة من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذ الولاية بحقها ، فقد أدى الأمانـة وقام بالواجب في هذا  .

ج - الانتخـاب شهادة  :

الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ، لقول ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ( أترى الشمس ؟ قال نعم ، فقال : على مثلها فاشهد ، أو دع ) رواه
والشهادة أمر خطير دنيا ودينا ، لذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في شهادة الزور ، وجعلها صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر فقال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) رواه مسلم .
فكلمة الناخب إما أن تكون شهادة حق ، أو شهادة زور ، فإذا تحققت شروط الناخب ، وأدى الشهادة كما يرضي الله ورسوله فهذه شهادة حق يثاب عليها حال إدلائه بصوته ، وتبقى صدقة جارية يثاب هذا الناخب على كل عمل خير يقوم به هذا المرشح بعد فوزه .
أما إذا أعطى صوته لمرشح ليس كفئاً ، وكان بين المرشحين من هو أرضى منه لله ورسوله ، فهذا الانتخاب شهادة زور والعياذ بالله ، وقد سبق تشديد الوعيد لشهادة الزور ، وأنها تعدل الشرك بالله .

د - حق الناخب وواجبه  :

. 1  الحق في معرفة المهمة التي يرشح لها :
فمن حق الناخب على الجهة المشرفة على الانتخاب أن تحيطه علما بالمهام والواجبات التي تقع على عاتق من يشغل الموقع المرشح له ، وكذلك بيان دوره في المجتمع وأهميته .

. 2  واجب العلم بشخصية المرشح وسماته :
ولقد لخص القرآن الكريم السمات العامة للمسئول في القوة والأمانة حال ذكر حكاية عن بنت الرجل الصالح شعيب ، فقال الله تعالى : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص : 26 .
ومن ثم ينبغي أن تتوفر في المراد انتخابه ثلاث صفات رئيسة هي :
 * أن يكون لديه معرفة وإلمام بالحاجات المرتبطة بالناس وبالقوانين الخاصة بالشأن المرشح له حتى يتمكن من أداء دوره بنجاح.
 * أن يمتلك القوة والجرأة التي تمكنه من الدفاع عن حقوق المواطنين ضمن إطارها الطبيعي.
 * أن يكون لديه شعور بالمسؤولية تجاه الناس الوطن ، والأمانة المانعة من أن يستغل الموقع لمصالحه الشخصية .
وعليه يجب على الناخب أن يتحقق من وجود تلك السمات في شخصية المرشح حتى ينتخبه .

 . 3 وسؤال أهـل الـذكر إن كان لا يعلم :
بهذا العلم يتمكن الناخب من المقارنة بين المرشحين ، ويعرف الأفضل منهم والأرضى لله ورسوله فينتخبه أو يشهده بأنه هو الأصلح لهذه المهمة ، وعندئذ تكون شهادته صحيحة ، وموافقة للشرع .
أما إذا كان الناخب لا يقدر على أداء الشهادة صحيحة على النحو السالف بيانه ، لكونه لا يعرف المرشحين ، فيتعين عليه أن يسأل عنهم من يثق بدينهم وعلمهم ليعرف من هو الأرضى لله ورسوله فيقدم له صوته .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من استعمل رجلا ً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) رواه الحاكم

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

الجهاد في سبيل الله ، إعداد : محمد أبوغدير المحامي


تعريف الجهاد لغة واصطلاحا ، ومفهومه الواسع ، والقتال في الإسلام ، أهداف وغايات الجهاد ، التربية الجهادية .


أولا : تعريف الجهاد لغة واصطلاحا :

الجهاد في اللغة :
بذل ما في الوسع من القول والفعل
فتعريف الجهاد لغة يطل على بذل الطاقة أو الوسع أو المشقة .

تعريف الجهاد شرعًا :

1 . عرف الإمام ابن تيمية الجهاد بأنه : ( بذل الوسع والقدرة في حصول محبوب الحق ، ودفع ما يكرهه) ، وقال أيضًا : ( هو الاجتهاد في حصول ما يحبه من الإيمان ، والعمل الصالح ، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان .

2 . قال الكاساني : ( الجهاد في عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله - عز وجل - بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك  .

3 . قال الحافظ ابن حجر : ( بذل الجهد في قتال الكفار )

4 . يقول الإمام البنا في رسالة التعاليم: وأريد بالجهاد: الفريضةَ الماضية إلى يوم القيامة، والمقصودَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية )
وأول مراتبه إنكار القلب ، وأعلاها القتال في سبيل الله ، وبين ذلك : جهاد اللسان والقلم واليد ، وكلمة الحق عند السلطان الجائر
ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها ، وجزالة الثواب للعاملين فيها  ، قال الله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) الحج- 78 ،وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم : الجهاد سبيلنا . :



من آيات الجهاد في الإسلام

قال الله تعالى : (  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون(  حجرات : 15 قال الله تعالى :  قال الله تعالى : (  ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) محمد : 31
قال الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة:216).
قال الله تعالى : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء:74).
قال الله تعالى :  (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران/171:169).
قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ)(الصف:4).


ثانيا : أهداف وغايات الجهاد :

أ - هداية الناس إلى الحق :

لأجل أن يعبد الله وحده ، وأن يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان، يقول عليه الصلاة والسلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله
والجهاد سبيل لإعلاء كلمة الله ، وإزالة الشرك والكفر ، قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: 39

ب -  رفع الظلم عن المظلومين ونصرهم  :

قال تعالى : وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) النساء: 75 .

جـ -  حفظ الإسلام والدفاع عن الأوطان والأعراض والأموال ورد العدوان :

وفي هذه الحالة يتعين الجهاد على أهل البلد المعتدى عليهم ، قال الله تعالى : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) البقرة: 194 .

د – التمكين لدين الله وإقامة الخلافة الإسلامية  :

إن دعوة الإسلام تسعى إلى التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة وجمْعَ الأمَّة تحت سُلطان واحد يَحكمُهم بشِرعة الله على منهاج النُّبوَّة ، وذلك واجب كلُّ مسلِمٍ في هذه الحياة ، قال الله تعالى}:   وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ{ المؤمنون:51]، وقال:  }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا { آل عمران:103
ولا شك أن هذه الدعوة تواجه كل يوم مكر الأعداء وكيد العملاء ، وانحراف القادة والرؤساء ، وهذه القوى تمتلك كل أسباب القهر والتنكيل والإبادة ، وتحقيقه هدف التمكين لدين الله وإقامة الخِلافةَ الإسلاميَّة يحتاج إلى حركة أعدت نفسها للجهاد الطويل والمرير ولكل أنواع المعاناة والمواجهات .


ثالثا المفهوم الواسع للجهاد :


أ - أنواع الجهاد ومراتبه عند الإمام ابن القيم  :

ويقول الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد: الجهاد على أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

1 . فجهاد النفس :
وهو أيضا على أربع مراتب:
أن يجاهدها على تعلم الهدى ، وعلى العمل به بعد علمه ، وعلى الدعوة إليه ، وعلى الصبر على مشاق الدعوة ،
فإذا استكمل المسلم هذه الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به، ويعلمه، ويدعو إليه.

2 . وجهاد الشيطان :
 وهو على مرتبتين :
جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات ، وجهاده على دفع ما يلقي من الشهوات .
فالأول يكون بعدة اليقين، والثاني يكون بعدة الصبر، قال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون السجدة- 24 .

3 . وجهاد الكفار والمنافقين :
وهو أربع مراتب:
بالقلب . واللسان . والمال . والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وجهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث مراتب:
• الأولى باليد إذا قدر،
• فإن عجز انتقل إلى اللسان،
• فأن عجز جاهد بقلبه.


رابعا : الجهاد القتالي في الإسلام :

أ - الجهاد القتالي حفظ لهويَّة الأمَّة وكيانِها :

أنَّ الحرب في الإسلام ليستْ عدوانيَّة، ولا استِفْزازيَّة، ولا همجيَّة، ولكنَّها للدِّفاع عن الدِّين والبلاد، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في أيِّ دولةٍ كانت؛ وذلك أنَّ الإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلَّها دارًا واحدةً وبلدًا واحدًا، يَجب حمايتُه والجهاد دونه إن كان دارَ عدْل بيد المسلمين، ويجب استِرْداده إن كان مسلوبًا .

ب - حالات الجهاد القتالي في الإسلام :

1 .أنَّ الإسلام أجاز الجِهاد القتالي في حالتين اثْنتَين فقط :
حالة الدِّفاع عن النَّفس وعن الدِّين وعن حريَّة العقيدة ؛ قال الحق - سبحانه وتعالى -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ سورة الحج: 40 - 41..

2 . وحالة دفْع العدْوان وردّ اعتِداء المعتَدين بالقدر اللازم دون مجازاة أو تنكيل ، ورفْع الظُّلْم عن المستضعفين، وإقامة العدْل في الأرض؛ قال الله - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ سورة البقرة: من الآية 194 ، وقال - جلَّ وعلا -: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ سورة البقرة: 190 .


خامسا : التربية الجهادية :

أ - الإسلام دعوة جهادية :

تحت هذا العنوان من كتاب أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي ذكر الأستاذ فتحي يكن أنه :

1 . الإسلام دعوة جهادية ماضية في مواجهة الباطل وإحقاق الحق إلى أن تقوم الساعة : وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول : (  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) رواه الشيخان .

2 .  طبيعته عدم مهادنة الجاهلية أو التعايش معها أو مساومتها أو تقديم تنازلات لها : قال الله تعالى :  ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء : 214  .

3 . لا يرضى لأتباعه الدنية في شيء ولا يقبل لهم الذل والهوان في أمر قال الله تعالى : (  ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } المنافقون : 8   ، وقال الله تعالى : (  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ) الفتح : 29.

4 . ثم إن الإسلام يعتبر الجهاد طريق المؤمنين إلى الجنة ، وسبيلهم إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ ونعيم الآخرة ، وإن ترك الجهاد والتخلي عنه يورث الذل والخنوع والهوان ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) رواه الشيخان وأبو داود .


ب - الجماعة المسلمة حركة جهادية :

والمسلمون الأولون عرفوا أنهم أمة جهاد وحركة جهاد فعاشوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، يقولون الحق ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون العدل ، ولا يخشون في الله لومة لائم .

يصف الله تعالى في القرآن الجماعة المسلمة بقوله:  (  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون(  حجرات : 15 قال الله تعالى :  (  ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) محمد : 31

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) رواه الشيخان، ويقول أيضا :  )  لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها ) رواه ابن ماجة .

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) للحاكم في المستدرك


ج - مهام التربية الجهادية :

إن التربية الجهادية توجب إعطاء مساحة أكبر من الاهتمام بأمرين أساسيين :
1 . الاهتمام بالنفس بربطها بالله والشوق إلى لقائه والموت في سبيله ، وبالتالي صونها عن كل ما يركن بها إلى الأرض وشهواتها ، ولو كان حلالاً طيبًا ، وبذلك تكون نفسًا مجاهدة .

2 . الاهتمام بالجسد ليكون معافى قويًّا يمتلك كل إمكانات الدفاع والهجوم وخبرات الدفاع والهجوم ، وبخاصة في عصر تعددت فيه هذه الخبرات والعلوم ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم )


د - مراحل التربية على الجهاد :

 التربية على الجهاد تستوجب مرور الأخ بالمراحل الآتية :

1 . عاطفة حية قوية :
تفيض حنانا إلى عز الإسلام ومجده، وتهفو شوقا إلى سلطانه وقوته، وتبكي حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألما على هذا الحال الذي لا يرضي الله ولا يرضي محمداصلى الله عليه وسلم ولا يرضي نفسا مسلمة، وقلبا مؤمنا، (ومن لم  يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).

2 · هم الدائم :
 المؤدي الى التفكير الجدي في طريق النجاة، وتلمس سبيل الخلاص :
وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل، وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذا، ونية المرء خير من عمله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

3 ·  مشاركة إيجابية :
بأن تنزل عن بعض وقتك، وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني المسلمين فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير، وكلا وعد الله الحسنى . الحديد- 10.

4 · صبر وتضحية :
بأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر وأن تنصح لله ورسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، إلا خذلوا، {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون  المائدة - 79.

5 · رفض وعداء للواقع المضاد :
أن تتنكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من عادى الله ورسوله، فلا يكون بينك وبينه صلة ولا معاملة، ولا مؤاكلة ولا مشاربة، وأن تعمل على إقامة ميزان العدل، وإصلاح شؤون الخلق، وإنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه.

6 · جندية كاملة لله تعالى :
وأن تقف لله نفسك ومالك ، لا تبقي على ذلك من شيء، فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامة الإسلام، ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام، كنت أول مجيب للنداء، وأول متقدم للجهاد : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم التوبة-111.
جاء في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر)  البخاري.
وجاء أيضا: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ابن ماجه بإسناد صحيح .

7 · إذا لم تصل به إلى درجة  المجاهد فليكن محبا للمجاهدين :
 إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله: أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر، وآخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع الله على قلبك، ويؤاخذك أشد المؤاخذة. قال تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا ألاّ يجدوا ما ينفقون. إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون التوبة-  ( 91-93)..