الأحد، 12 مايو 2019

المسجد محضن تربوي للأطفال إعداد : محمد أبوغدير المحامي

الأطفال زينة الحياة الدنيا ، وبهجتها ، بهم تحلو الأيام ، وتزدان الليالي ، قال تعالى : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } الكهف46 .
ويتمنى الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم الصلاح والفلاح الذي يسعدهم ، قال عز وجل : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } الفرقان 74 .

وليحذر الآباء والأمهات إساءة تربية الناشئة حتى لا يكونون وبالاً عليهم ، قال تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } الأنفال28 .

ويسعى الآباء جاهدين إلى التربية الحسنة لأبنائهم للحصول على ثمار جهدهم ارتفاع منزلتهم في الآخرة ، روى ابن ماجة عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : أَنَّى هَذَا ؟ فَيُقَالُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ " .

ومن أهم وسائل التربية الحسنة للأطفال زرع حب المساجد في قلوبهم منذ نعومة أظفارهم ، وتعويدهم على الحضور إليها للتعلق قلوبهم بها ، وتشجيعهم على ذلك بكل وسائل التشجيع والتعزيز .

وهذه الموضوع  يقتضي بيان : حق الأطفال في حضور المسجد ، وتربية الأطفال على حرمة المساجد وقدسيتها ، وبيان أن المساجد هي مدرسة العبادة والطاعة ومنارات العلم والذكر ،  ثمرات تربية الأطفال في المسجد ووسائلها.
وبيان ذلك في الآتي :


أولا : حق الأطفال في حضور المسجد :

المسجد محضن تربوي للأطفال وله أثر عظيم عليهم يحافظ على الفطرة، وينمي الموهبة، ويربط النشء بربه من أول ظهور الإدراك وعلاقات التمييز، فلا يمنعون من دخول المسجد مع أولياء أمورهم ، أو وحدهم ، فقد قررت سنة النبي صلى الله عليه حق الأطفال في تغشي المساجد وتصدرهم الصفوف الأولى في الصلاة، وبيان ذلك في الآتي :

أ . حق الأطفال في تغشي المساجد :

فالحديث الذي ورد بلفظ : " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " الذي أخرجه ابن ماجة والطبراني ، ضعفه ابن الجوزي ، وقال ابن حجر : له طرق وأسانيده كلها واهية ، وضعفه الألباني .
ولقد ورد الكثير من الأحاديث الصحيحة تؤكد وترغب في حضور الأطفال للمساجد منها ما يأتي :
روى البخاري عَنْ أَبِى قَتَادَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ، فَأَتَجَوَّزُ - يعني أخفف - فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ " .
وروى الشيخان عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ _ يعني والد أمامة _ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا ، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا " .


ب . إذا تقدم الأطفال الصفوف فلا يجوز تأخيرهم :

فضلا عن ثبوت أحقية الأطفال في دخول المسجد ، فإذا تقدموا الصفوف فلا يجوز تأخيرهم ، قال الشيخ / محمد بن صالح العثيمين : " إذا جاء الصبي مبكراً وتقدم وصار في الصف الأول فإن القول الراجح أنه لا يقام من مكانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى أن يقيم الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه ، ولأن هذا عدوان " .

أضف الى ذلك أنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم ، فلم يجز تأخيرهم ، ولأن في تأخيرهم تنفير لهم من الصلاة ، كما أن في تأخيرهم في صف لوحدهم دعوة للعب والعبث والضحك داخل المساجد .

ج . إذا أخطأ الاطفال في المسجد يرفق بهم :

فقد تعامل صلى الله عليه وسلم باللطف والتعليم مع الأعرابي الذي بال في المسجد فأقنعه بأنه مخطئ دون المساس بكرامته أو تحميله ما لا يطيق ، فقد روى الإمام مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَجُلا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابُهُ فِيهِ ، فَقَالُوا : مَهْ مَهْ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعُوهُ لا تُزْرِمُوهُ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ ، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ شَنًّا وَتَرَكُوهُ " .

فما أعظم خطأ الأعرابي فقد بال في المسجد محل الصلاة والذكر والدعاة ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأن لا تقطع بولته وكف الأذى عنه ثم وجهه إلى وجوب احترام المساجد وتنزيهها عن الأقذار .

فإذا كان هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم من البالغين حال ارتكابهم الخطأ في المسجد ، فلا مجال لعقاب الأطفال إذا صدر منهم ثمة خطا ، ولا دليل صحيح على منع الأطفال من دخول المساجد ، وأن الطفل المؤذي والمشوش على المصلين يجب تعليمه وتربيته على آداب المساجد وصيانتها عن الأذى .


ثانيا : تربية الأطفال على حرمة المساجد وقدسيتها  :

فإذا كان دخول الأطفال المساجد حق لهم فلا يجوز حرمانهم منه ، فعلى الآباء والمربين أن يبنوا لهم قدسيتها ومكانتها ويتخذوا الأسباب التي تحافظ على سكينة المسجد وتمنع تشويش الأطفال على المصلين من خلال الآتي :


أ . بيان مكانة المساجد وحرمتها :

1. على الآباء والمربين أن يغرسوا في نفوس الأطفال حب بيوت الله تعالى ، وأنها أشرف البقاع وأحبها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بأن ترفع ويذكر فيها اسمه، وتصان عما يخل بطهارتها وقداستها، وأن يبعد عنها كل ما من شأنه تقذيرها والعبث فيها .

2. قال تعالى : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } النور36-37 .

3. وعليهم أن يحثوا الطفل على العناية بنظافة المساجد واحترمها والهدوء فيها ، وعليهم أن يحذروا الطفل من اللعب والعبث بالمساجد لأنها بيوت الله .

4. وأن المساجد لا يجوز اللعب فيها ، أو العبث بأثاثها ، ولا يجوز رفع الصوت فيها ، ولا التشويش على صلاتهم أو مجالس ذكرهم أو علمهم ، لأن ذلك يُذهب الخشوع والطمأنينة من قلوب المصلين.


ب . علاج ظاهرة تشويش الأطفال في المساجد :

وعلاج هذه الظاهرة هو أمر يسير إن كان هناك إرادة واهتمام وتعاون بين الآباء والمعلمين والمربين , وذلك من خلال اتباع الخطوات الآتية :

1. قيام أولياء الأمور والآباء بتربية أولادهم وتعليمهم منذ نعومة أظفارهم آداب المسجد , وفي مقدمتها الشعور بقدسية المكان وحرمته , وما يستلزمه ذلك من السكينة و الإنصات وحسن الاستماع والهدوء وعدم التشويش على المصلين أثناء الصلوات الخمس أو صلاة الجمعة .

2. متابعة الآباء لهذه التربية وحسن سيرها من خلال مرافقة كل أب لولده إلى المسجد , ومجاورته له في الجماعات وخلال صلاة الجمعة , وإبداء الملاحظات والتنبيه على الأخطاء بعد الصلاة إن حدثت , حتى يتشرب الولد هذه الآداب ويتخلق بها , فيكون ذهابه وحده بعد ذلك إلى المسجد ممكنا ومأمونا , ولا يترتب عليه أي أذى أو أثر على المسجد أو المصلين .

3. عدم ترك الأولاد متجاورين أثناء صلاة الجماعة أو الجمعة , وذلك لتفادي التشويش الذي قد يحدثه هذه التجاور , وهو في الحقيقة واجب الآباء حتى يرتقوا بالولد شيئا فشيئا إلى مستوى الالتزام بآداب المسجد بحضور والده أو بغيابه .
وينتفي تشويش الأطفال على المصلين أو إساءة الأدب في المسجد إن تم التدرج معهم بما سبق من خطوات وغيرها مما يجب أن يتعلمه الصبيان قبل أن يرتادوا بيوت الله .


ثالثا : وسائل تربية الأطفال من خلال المساجد :

وحتى تتحقق تربية الأطفال وتكوينهم من خلال المساجد، لابد من اتخاذ بعض الإجراءات من القائمين على المساجد ومنها:

1 ـ أن يشجعوا الآباء لاصطحاب أبنائهم إلى المساجد وتعليمهم النظافة والنظام، وأن يراقبوهم ويوجهوهم لما فيه صالحهم.

2 ـ أن يجد الأطفال والصغار من يرشدهم وينظم جلوسهم ويقيم لهم المناشط التي تتفق وأعمارهم.

3 ـ أن يتحبب العاملون في المساجد للأطفال، وأبناء المصلين بالبسمة ورحابة الصدر، وأن يجذبوهم للمساجد ولا ينفروهم منها.

والواجب أن نستعين بكل وسيلة من شأنها أن تشوق الطفل إلى المسجد، وتحببه إليه، ونحذر من كل أسلوب من أساليب التنفير من المسجد .


رابعا : ثمرات تربية الأطفال في المسجد :

إذا تعود الأطفال منذ صغرهم على ارتياد المساجد بصحبة آبائهم يعرفون منذ نعومة أظفارهم ان المساجد ليست للصلاة فقط وإنما هي مدرسة للتقرب إلى الله بالعبادة والطاعة فيها ، وهي مجالس للعلم يتلقى فيها علومه وآدابه فيكون لذلك أثر كبير عليهم وتحقق ومن ثم تتحقق الثمرات الآتية :

1. المسجد محضن تربوي يحافظ على الفطرة وينمي الموهبة ويربط الطفل بربه ، ويطبع فيه المثل والقيم والصلاح وذلك لتأثره بالصالحين والخيرين ورواد المساجد من خلال المشاهدة والقدوة .

2. والطفل يكتسب الصفات التي يراها من المصلين وتتردد عليه باستمرار، فيكتسب معالي الأخلاق ويتصف بأجمل الصفات، فخير الناس هم أهل المساجد، وهم أهل القرآن، أهل الذكر والدعاء.

3. ونظر الطفل إلى الصفوف المرصوصة في المسجد بانتظام وبلا اعوجاح ورؤيته لحركة المصلين المنتظمة ترتسم في نفسه معالم النظام وترتيب الحياة .

4. واختلاط الطفل بالناس في المسجد يعلمه الطريقة المثلى للتعامل مع الناس ، ويستفيد من النظر إلى تصرفاتهم ، فيلحظ الطفل طاعة المأموم لإمامه، واحترام الصغير للكبير مما يكتسبه الشجاعة وترك الخوف لكثرة ما يلقى الرجال ويشاركهم في أفعالهم.

5. ومن أبرز ما ينطبع على مشاعر الطفل هو الشعور بالمجتمع المسلم، ووحدة الأمة من خلال مجتمع المسجد الصغير الذي يظهر فيه الحب والإخاء.

6. ويتعلم الطفل القراءة الصحيحة من سماعه القرآن الكريم يتلى في المسجد ، ويتذوق الآيات القرآنية ويتدبرها، مع تعلمه ما يسمعه من الآيات والأحاديث، والفقه والعقيدة، وغيرها من علوم الشريعة .

7. الأطفال الذين يشغلهم العلم والمعرفة في المسجد يتربون على معالي القيم ومحاسن الأخلاق ، فيكون المسجد الحصن الحامي والدرع الواقي الذي يحفظهم من أهل الشر والفساد .

أعده وكتبه محمد أبوغدير المحامي في الأحد, مايو 12, 2019

الأحد، 14 أبريل 2019

الثقة بالله مفهومها وفضلها وأسبابها وثمراتها وكونها صفة الأنبياء والصفوة من الرجال والنساء


مقدمة
من غير الثقة بأن القوة من الله القوي يسقط الإنسان في مواجهة مُعضلات الحياة ، ومن غير الثقة برحمة الله الرؤف الرحيم يقنط المذنبون ، ومن غير الثقة بأن الصبر من الله تعالى نعجز فلا نصبر على البلاء .

ومن غير الثقة بأن الله قادر وقاهر لعجز أصحاب الحق عن مواجه الجبارين والظالمين ، ولولا الثقة بأن الله تعالى هو الناصر والمعين لعجز المجاهدون عن مواجهة أعداء الله تعالى الذين يفوقوهم عددا وعدة .

لذلك فإن الثقة بالله تعالى صرح شامخ في قلب المؤمن لا تهزه عواصف المصائب والمحن، بل تزيده شموخاً ورسوخاً، ولا يهدمه إلا سوء الظن بالله، والشك في حصول فرجه، وكثرة التعلق بالمخلوقين، وتناسي الخالق جل وعلا .


أولا : مفهوم الثقة بالله تعالى :

تنوعت مفاهيم الثقة بالله تعالى وتعددت تعريفاتها فنذكر منها الآتي :

الثقة بالله تعني : اليقين الراسخ بأن الله لا يخلف وعده وأنه على كل شيء قدير ، والإيمان الصادق بكل ما أخبر به سبحانه وأن ما قدره سوف يكون.

 والثقة بالله تعالى كذلك : أن يكون العبد أوثق بالله من نفسه، ومن ما يملكه بيده، أو مما يملكه الآخرون في أيديهم وهذا كله من علامات التوكل على الله .

والثقة بالله تعالى أيضاً : أن تبذل ما في قدرتك ووسعك من الأسباب لتحصيل المحبوبات ودفع المكروهات ، ثم تفوض أمرك إلى الكريم وتعلق قلبك به، وتتوكل في أمرك كله عليه .


ثانيا : فضل الثقة بالله :

1. الثقة بالله تجعل العبد راضيا بالله :

قال حاتم الأصم: "من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله: أولها الثقة بالله، ثم التوكل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلها تتم بالمعرفة ،

2. الثقة بالله نجاة من كل كرب :

ومن وثق بالله نجاه من كل كرب أهمه؛ قال أبو العالية: "إن الله -تعالى- قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه ُ} التغابن11 .

3. ومن وثق بالله نجاه من كل كرب أهمه :

مادام واثقا به ، متوكلا عليه ، معتصما به ، قال أبو العالية: "إن الله -تعالى- قضى على نفسه أن من آمن به هداه، قال الله تعالى : {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} التغابن11) ،
ومن توكل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } الطلاق 3 ،
ومن أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: { مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة ً} البقرة 245 .
ومن استجار من عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا}آل عمران 103 .
والاعتصام الثقة بالله، ومن دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} البقرة 186 ،

4. من تحلى بهذه الصفة فقد فاز بالجنة :

قال شقيق البلخي رحمه الله : من عمل بثلاث خصال أعطاه الله الجنة:
أولها : معرفة الله -عز وجل- بقلبه ولسانه وسمعه وجميع جوارحه،
والثاني : أن يكون بما في يد الله أوثق مما في يديه،
والثالث : يرضى بما قسم الله له، وهو مستيقن أن الله تعالى مطلع عليه, ولا يحرك شيئا من جوارحه إلا بإقامة الحجة عند الله، فذلك حق المعرفة

5. الثقة بالله تعالى حصن المؤمنين من الشيطان وعدة المجاهدين :

 قال -تعالى-: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة: 268 ، فمن لا يثق بالله تتخطفه وساوس الشيطان من الفقر فيسقط في كل رذيلة، ويُلبّس الشيطان عليه الحق بالباطل فيستحل الحرام وينقض عرى الإسلام عروة عروة.


ثالثا : الثقة بالله من صفات الأنبياء   :

لقد كان أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام واثقين بالله تعالى ثقة لم تزعزعها رياح الابتلاءات وأعاصير الرزايا، فكان ذلك من أسباب نجاتهم ونصر الله لهم.

 1. ثقة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار :

حينما ألقي خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- في النار كان على ثقة عظيمة بالله؛ فقال :"حسبنا الله ونعم الوكيل" فكفاه الله شر ما أرادوا به من كيد، وحفظه من أن تصيبه النار بسوء، قال تعالى: { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم َ} الأنبياء69 .

2.  ثقة  نوح عليه السلام حين كذبه قومه :

يقول تعالى عن نبيه نوح عليه السلام حال خطابه لقومه حين كذبوه : ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ﴾ يونس: 71-73 .

3. ثقة موسى عليه السلام حال حصاره بين العدو والبحر :

حينما خرج ببني إسرائيل من مصر والبحر أمامهم والعدو خلفهم ، تظهر ثقة موسى عليه السلام فيقول الله تعالى : ﴿ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ الشعراء: 61-64 .

4. ثقة محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الغار :

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أن أبا بكر الصديق حدثه، قال: نظرتُ إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) مسلم ،
فيسجل الله هذا الحدث بقوله تعالى : { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } التوبة 40 ،
وفعلا كان الله مع نبيه عليه الصلاة والسلام فحفظه وأيده ونصره، وجعل العاقبة له ولأتباعه من المؤمنين والمؤمنات.


رابعا : أسباب الثقة بالله تعالى :

لماذا يثق المؤمن بربه ويتوكل عليه؟

1. لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ولأن الأمر كله لله ، يورث الأرض من يشاء من عباده :
قال الله تعالى : ( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّه ) سورة آل عمران 154،
وقال الله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) سورة ) يس82 ،
وقال تعالى : ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) الأعراف:128.

2. لأن الأمور عنده سبحانه وليس إلى غيره، لأنه شديد المحال، فهو عزيز لا يُغلب،
قال ألله عز وجل: ( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور ) ُالبقرة:210 ، كما قال تعالى: ( وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) الرعد:13،

3. ولأنه سبحانه وتعالى له جنود السموات والأرض وجمع القوة والعزة و قاهر من يخرج عن أمره وهو القوة المتين القابض الباسط الذي يُؤتي مُلكه من يشاء :
قال الله عز وجل: ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الفتح:7، كما قال تعالى : ( وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) الأحزاب : 25، قال الله تعالى : ( هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الزمر :4 ، وقال الله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) الذاريات: 58 ، وقال الله تعالى : ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) آل عمران:189،

5. ولأنه سبحانه وتعالى هو الذي يضُر وينفع والذي يخادع المنافقين ويمكر بأعداء الأمة :
قال عز وجل: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) النساء : 142 وقال تعالى : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الأنفال :31 ،


6. ولأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدّر الاقتتال وعدمه ، القادر على إمضائه أو وقفه ، والقادر على نصر المؤمنين :
فأخبر  سبحانه نبيه ﷺ فقال : ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ) المائدة : 64 ،
وقال الله تعالى : ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) سورة المائدة 52 .



خامسا : ثمرات الثقة بما عند الله تعالى:

إنَّ للثقة بما عند الله تعالى ثماراً عديدة تتجلَّى في حياة المؤمنين في معانٍ عدَّة أبرزها:

1- راحة النفس وطمأنينة القلب :

وذلك أنَّ الذي يثق بما عند الله تعالى يكثر من ذكره سبحانه وتعالى ويتعلّق به حبّاً وطاعة، ومن فعل ذلك حصلت له الطمأنينة، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} الرعد: 28 .
لقد كان ذكر الله تعالى من أعظم المثبتات التي ثبتت الشباب في لحظات الفتنة وهجوم البلطجية، لقد سمعنا صيحات التكبير والتهليل في مختلف مفاصل المواجهة مع فلول الأنظمة البائدة، ممَّا يدل فعلاً على اطمئنان القلوب بذكر الله، وأثر هذا الاطمئنان في الصمود.

2- حصول الأمن والاستقرار وعدم الخوف :

ذلك أن المؤمن يعلم أن الله تعالى معه، وأن الأمّة لو اجتمعت على أن يضروه لم يضروه إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليه، وقد بيّن الله تعالى أنَّ الأمن لا يكون إلاَّ للمؤمن، قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولـئك لهم الأمن وهم مهتدون}.الأنعام: 82 .
فالطغاة يظنون أنَّهم بإرهابهم للمحتجين سيجعلونهم يتفرقون، إنهم يجهلون ذلك الأمان الذي يستشعره المؤمنون المعتصمون بحبل الله المتين.


3- فتح باب الرِّزق والخير وإجابة الدُّعاء :

ذلك أنَّ الواثق بما عند الله تعالى قريب من ربّه متوكل عليه، قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} الطلاق: 3 . وهذا يعني أنَّه سبحانه وتعالى كافيه وشافيه ورازقه ومعطيه، وقد رأينا هذه الثمرة في أنَّ الكثيرين كانوا يضحون بوظائفهم لخدمة الثورة وأهدافها غير آبهين بما ينتظرهم من حرمان من الوظيفة عقوبة على تفاعلهم مع الثورة، لم يأبه مئات الآلاف في مصر واليمن وتونس بتهديدات أعوان النّظام بالقصاص منهم متوكلين على الله تعالى، وواثقين بأنَّ رزقهم عند الله مكفول لا تنتقصه القرارات ولا تمنعه الاقصاءات.

4- فتح باب القبول والمحبَّة عند الناس :

ذلك أنَّ الواثق بما عند الله تعالى لا يحسد الناس، ولا ينافسهم في أمور دنياهم، لأنَّه يعلم أنَّ ما عند الله خير ممَّا في أيـدي الناس، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنِ الْتَمَسَ رضى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الِلَّهِ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخَطَ الِلَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ) رواه ابن حبَّان    بإسناد حسن .


سادسا : الثقة بالله صفة الصفوة من الرجال والنساء :


أ - والثقة من صفات الأولياء الصادقين والعباد الزهاد :
1. قال يحيى بن معاذ: "ثلاث خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء "شعب الإيمان للبيهقي .

2. وقد جاء رجل إلى حاتم الأصم فقال: "يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد؟ فقال: "رأس الزهد الثقة بالله ووسطه الصبر وآخره الإخلاص"،
صور من ثقة المرأة في الله تعالى :

ب - لقد ضربت المرأة المسلمة أيضاً أمثلة رائعة من الثقة بالله تعالى،

1. فها هي أم إسماعيل عليهما السلام حينما وضعها إبراهيم عليه السلام في مكة بوادٍ غير ذي زرع بلا أنيس ولا شيء قالت وهو يودعها وابنها: (يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يتلفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا) .
فحسن بعد ذلك حال هذه الأسرة المؤمنة هناك وجاءها القوت والجيران الصالحون.

2. وهذه أم موسى عليهما السلام أيضاً تضرب مثلاً آخر في الثقة بالله تعالى، فهي لما خافت على ولدها من ذبح فرعون ألهمها الله تعالى أن تلقي فلذة كبدها في الماء الذي هو مظنة الهلاك المحقق،
قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * ﴾ [ القصص: 13.

فروض الكفاية تعريفها ، وأهميتها ، وأثرها على الأمة ، والأضرار المترتبة على التقصير نحوها ، ووسائل الإرتقاء بها

مقدمة :

قال الله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ...} آل عمران : 110 ، هكذا وصف الله الأمة المسلمة بأنها خير الأمم على الإطلاق ، ما أحوج أمتنا أن تستعيد خيريتها هذه .

ولن تتحقق مواصفات خيرية الأمة إلا بقيام أفرادها بفرائض الدين لتزكية النفس وتحقيق الطاعة وتجنب المعصية والمشاركة الضرورية في الواجبات الاجتماعية ، وجاء التكليف للجماعة والأمة بسدِّ الثغرات وكشف الأخطاء والإخفاقات سعياً للعلاج وحفظاً لكيان الأمة وإعلاء لكلمة الله، وتحقيقا لوظيفة الاستخلاف .

وقيام مجتمع المسلمين بتحصيل كافة العلوم والنهوض بمصالح الأمة على النحو السالف بيانه حتى تتحقق لها الخيرية التي ارادها الله فرض كفاية يقوم به البعض حتى يكفيهم ، وإلا أصبح فرض عين حتى يقوم من الأمة من يكفيها .

وقال الشيخ محمد الغزالي : إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ، ويستوي أن تكون هذه الفريضة فرض عين أو فرض كفاية ،  وفروض الكفاية هذه لها منزلة عظيمة ودور بارز في حياة الفرد والأمة وهي الطريق الى خيرية الأمة .

 والحديث عن فروض الكفاية يقتضي بيان تعريف فرض الكفاية وفرض العين والمقارنة والمفاضلة بينهما ، لنتعرف عليها وعلى مجالاتها وأثرها في حياة المجتمع ، وأسباب تعطيلها ، ووسائل إحيائها وبيان ذلك في هذه السطور .


أولًا : تعريف فرضي الكفاية والعين والمقارنة والمفاضلة بينهما :

أ - تعريف فرض الكفاية :

هو ما يُطالَب بأدائه مجموع المكلفين، وإذا قام به بعضهم سقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يفعله أحدٌ أثموا جميعاً، كالذي يجب للموتى من غسل وتكفين وصلاة ودفن، وما يجب لخير الجماعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنقاذ الغريق والقضاء والإفتاء وأداء الشـهادة وأنواع الصـناعات، قال الشاطبي، رحمـه الله: «الولايات العامة، والجهاد، وتعليم العلم، وإقامة الصناعات المهمة، فهذه كلها فروض كفايات».

وفي عصرنا هذا يدخل في الواجبات الكفائية : التصدي لحفظ المصالح العامة بصورة شاملة، والتي تشمل التنمية الاقتصادية والتكنولوجية، من الصناعة والزراعة وكل ما يحتاجه المجتمع لحفظ كيانه وقيمه ومصالحه


ب - تعريف فرض العين :

هو ما يُطَالب بأدائه المكلفون كلهم، وإذا فعله بعضهم لم يسقط الطلب عن الآخرين، كالصلاة والصوم... إلخ .

 وإنما سُمِّي هذا الواجب عينياً؛ لأن الخطاب يتوجه إلى كل مكلف بعينه، بحيث لو عجز عن فعل الواجب لم يطلب الفعل من غيره، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بفعله، حتى ولو أدّاه جميع المكلفين دونه لا يسقط التكليف عنه.


ج - الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية :

* فروض الأعيان الكل مكلفون بها شرعا ممتحنون بتحصيلها لزومًا ، في حين إن فروض الكفاية أمور كلية دينية ودنيوية يقصد الشرع حصولها ولا يقصد تكليف الواحد وامتحانه فيها .

* إن فرض العين مطلوب من المكلف، سواء كان رجلًا أو امرأة كالصلاة والصيام والزكاة، ولا يسقط عنه بحال من الأحوال ، أما فرض الكفاية فإنه مطلوب من الجميع ، ولكن إذا أداه جماعة سقط عنهم جميعًا، وإلا أثموا جميعًا.

* أن فرض العين لا يمكن أن يتحول إلى فرض كفاية ، أما فرض الكفاية قد يتحول إلى فرض عين على المسلم في بعض الحالات ، فإذا رأى مسلم منكرًا ولم يكن هناك غيره يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن الأمر والنهي في حقة فرض عين .


د - المفاضلة بين فرض العين فرض الكفاية :

اختلف العلماء في المفاضلة على قولين :

1. القول الأول : أن القيام فرض الكفاية أولى من  القيام بفرض العين :

وممن ذهب إلى هذا القول أبو إسحاق الإسفراييني وأبو محمد الجويني وابنه إمام الحرمين .
والعلة من ذلك أن الذي يقوم بفرض العين إنما يسقطه عن نفسه فقط ، أما من يقوم بفرض الكفاية فإنه يسقطه عن نفسه وعن الأمة جميعًا؛ فالنفع في فرض الكفاية متعدٍّ، وأما نفع فرض العين فمقصور على الشخص.

2. القول الثاني : أن القيام بفرض العين أفضل من القيام بفرض الكفاية :

وهو قول جمهور العلماء واستدلوا على ذلك بالآتي :
* أن النصوص الشرعية قدمت فرض العين على فرض الكفاية، من ذلك تقديم بر الوالدين، وهو فرض عين، على الجهاد في سبيل الله، وهو فرض كفاية .
* وأن المصلحة في الفرض العيني تتكرر بتكرر الفعل ، بخلاف الفرض الكفائي فإن المصلحة فيه لا تتكرر لأنه لا يتكرر ، والفعل الذي تتكرر مصلحته أقوى في استلزام المصلحة .

3. التوفيق بين القولين :

على أنه يمكن الجمع بين القولين بأن تفضيل فرض الكفاية على فرض العين محمول على ما إذا تعارضا في حق شخص واحد، ولا يكون ذلك إلا عند تعينهما، وحينئذ هما فرض عين، وما يُسقِط الحرجَ عنه وعن غيره أولى، وأما إذا لم يتعارضا وكان فرض العين متعلقًا بشخص وفرض الكفاية له من يقوم به، ففرض العين أولى ، وهذا الرأي ذكره الشيخ الزملكاني، وحكاه عنه الزركشي .


ثانيا : أهمية فروض الكفاية :

لفروض الكفاية أهمية كبير نظرًا لما يترتب على القيام بهما من مصالح للفرد والمجتمع والأمة كلها، وارتباطهما بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولمساسهما بكيان الأمة في توفير احتياجاتها المختلفة، وتظهر أهميتهما من خلال الأبعاد الآتية:

أ - ارتباط فروض الكفاية بالمقاصد الشرعية :

الفروض الكفائية تحقق مقاصد الشرع من حيث حفظ مصالح الأمة وضروراتها ودفع المفاسد والمخاطر عنها وتلبية حاجياتها والنهوض بما يقيم كيانها .
وحول هذا المعنى: يقول الشاطبي: « أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق»
وقال العز بن عبدالسلام: واعلم أن المقصود بفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفهم .

ب - فروض الكفاية حقوق لله وواجبات على الأمة :

إن أغلب حقوق الله التي لها ارتباط بالصالح العام فهي واجبات على الأمة كلها وعليها يتوقف كيان المجتمع ، وفي القيام بها نهوض بالمجتمع وقيام بمصالح الأمة ، ومن ثم كان القيام بالواجبات الكفائية قياما ورعاية لحقوق الله وتحقيق واجبات الأمة .


ج - تساوي فرضي الكفاية والعين في الأهمية :

لأن كلا منهما طلب الشارع حصوله وحتم وجوده، ورتب العقاب على تركهما وعدم القيام بهما .إذ لو لم يكن للواجب الكفائي أهمية كبيرة ومنزلة خطيرة ما طلب الشارع وحتم على الكافة إيجاده ، فكل منهما جزء من أحكام الشريعة ومصالح قصدها الشارع من وراء القيام بها على سبيل الحتم والإلزام .

د - توقف فرض العين على الكفائي :

الفروض العينية لا يمكن القيام بها والامتثال لها إلا إذا وجدت الواجبات الكفائية والمصالح العامة، لأن في الواجب الكفائي حفظ للأمة بالجهاد وضمان استقرار المجتمع بإقامة العدل عن طريق القضاء، ونشر للأمن ودفع للفتن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا غاب الأمن وافتقد العدل وانتشرت الفتن يتعذر أداء أفراد المجتمع للفرض العيني من زكاة وحج ووفاء بالعقود أو نحو ذلك

هـ- فروض الكفاية قد تتعين على الأمة كلها  فيصير فروض عينية على بعض الأفراد :

لأهمية فرض الكفاية وخطورته وارتباطه بأمور كلية في الدين وبقضايا كبيرة في الأمة فإن مسؤولية الأمة عنه لا تسقط بمباشرة أفراد منها لها وقيامهم به، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي :
( يصح أن يقال إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز ، لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة ، فهم مطلوبون بسدها على الجملة. فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلا لها، والباقون - وإن لم يقدروا عليها - قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها ) .


ثالثا : مجالات فروض الكفاية :

هناك عباداتٍ شرعها الله تعالى وبيَّن لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنها مِن فروض الكفايات ، وكذلك كل ما يخدم الأمة ويُعْلي من شأنها من الأمور الدنيوية هو من مجالات فروض الكفاية على الأمة، وبيان ذلك في الآتي :

أ - طلب العلم الشرعي :

فطلب العلم الشرعي ليس فرض عين على جميع الأمة، بل هو من فروض الكفاية، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ التوبة: 122 .
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله : الآيةُ تدل على وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه الناس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداة لغيره .

ب - الدعوة إلى الله تعالى :

 والدعوة والإرشاد من باب فروض الكفاية، وليست فرض عين على جميع الأمة ، قال الله عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ النحل: 125 ، وقال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ المائد ة: 2 الآية11ء
 يقول ابن باز - رحمه الله -: الدعوة فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي في أي بلد أو في أي قرية أو في أي قبيلة سقطت عن الباقين، وصارت في حقهم سنَّة، بشرط أن يكون عندهم علم وعندهم بصيرة، وأهلية للدعوة.

ج - صلاة الجنازة :

ومِن فروض الكفاية التي ضربها أهل العلم : صلاة الجنازة، وتغسيل الميت، والقيام بدفنه، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وهذا من رحمة الإسلام بالأمة؛ إذ لو كانت صلاة الجنازة فرضَ عين على كل مسلم لتعطَّلت المصالح، وشق ذلك على أفراد الأمة.

د -  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

روحى الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو قطبُ الدِّين وبه نجاة الأمة من السقوط في براثن المعاصي والذنوب، وبه تحفظ الأعراض والأموال ، وهو مِن فروض الكفاية، كما دلَّت على ذلك الآيات والأحاديث الشريفة؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران: 104.
يقول القاسمي - رحمه الله -: "وفي الآية دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنَّة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهَّرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مَشِيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها - كذا في فتح البيان.

ه - رد السلام :
رد السلام فرض الكفاية على الجماعة، وهو فرضُ عين على الواحد؛ فابتداؤُه مستحب،ولا يستحب على المصلي عند بعض الشافعية، ولا على من يقضي حاجته، ولا في الحمام.
ولو أجاب الجميع دفعة واحدة كانوا مؤدين فرض كفاية، كما يلحقهم الذمُّ بأجمعهم لو تركوا.
ولو تعاقبوا، فأن الفرضَ يسقُطُ بالأول

و - العلوم الحياتية :

وهي التي لا علاقة لها بالشرع؛ كالطب والهندسة وغيرهما من سائر تلك العلوم، فتعلُّمه فرض كفاية.
الطب والحساب من فروض الكفايات؛ فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات؛ كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة؛ فإنه لو خلا البلد من الحَجَّام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك؛ انتهى ، قالها الإمام الغزالي .

ز - البيع والشراء وغيرهما مما تتم به المعايش :

واعلم أن فروض الكفاية تشمل كل ما تتم به المعايش؛ كالبيع والشراء والحرث وتولي الإمامة والشَّهادة وأدائها والقضاء وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق، وحتى تزويج العزب والعانس؛  لأن القرآن الكريم قال: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ النور : 32 ، والخطابُ في الآية الكريمة موجَّهٌ للأمة كلها، فلو عجز إنسان عن تزويج ابنه أو ابنته توجَّه الأمر إلى الأمة كلها؛ حتى لا يكون فيها عزَبٌ ولا عانس .


رابعا : أثر فروض الكفاية على الفرد والأمة:

1. إن الشارع قد أعطى أهمية كبرى لفروض الكفاية ، فلم يكلف شخصاً بعينه القيام بها، بل علق التكليف بالأمة جميعاً، لتكون هي المسؤولة عن ذلك، كما تكون آثمة عند التقصير فيها.

2. القيام بفروض الكفاية سبب للنهوض بالمصالح العامة للأمة، وسد لحاجياتها وضروراتها، وتقوية للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصناعية والفلاحية، وقد أدى تعطيلُ هذه الوظائف والقطاعات الأساسية وقلة الاهتمام بها إلى تخلُّف الأمة وتراجعها، وضعف تحصيناتها ومقاومتها .

3. لا وسيلة لنجاة الأمة وخلاصها من الوضع الأليم الذي تعيشه إلا بإيجاد الحكم الصالح (المؤسسة السياسية الصالحة) الذي يتفاعل مع مشكلات الأمة وآلامها، ويسعى سعياً جاداً وحثيثاً، بكفـاءة ذاتية عالية، وقدرة بشرية فائقة، لتحقيق آمالها وتطلعاتها.

3. كما إن مقصود الشارع من فروض الكفاية حماية المصالح العامة للأمة ، من جلب مصلحة ودرء مفسدة ، لذلك فإن التقصير فيها يضر بالمسؤوليات المجتمعية للأمة الوسط الشاهدة على الناس التي تقوم بعملية البلاغ ونصرة الحق وردع الظالم ونصرة حقوق الإنسان .


خامسا : وسائل إحياء فروض الكفاية :

لمَّا كان بعث فروض الكفاية وإحياؤه سبيلًا لإقامة المجتمع المتضامن المستقر، والأمة المتراصة القوية، وسبيلًا للشهود الحضاري للأمة الذي يخوِّلها منزلة الخلافة والإعمار، ولن يتأتى هذا إلا عن طريق:

أ - تصحيح أبعاد فروض الكفاية في فكر الأمة :

فكان إحياء فقه الواجبات الكفائية والمصالح العامة، وأبعادها الحقيقية في الأمة، وإعمالها في الحياة الاجتماعية والسياسية عن طريق تجديد الفهم وفقه المقاصد - كفيلًا بإعادة الأمة إلى طريق الشهود، والحفاظ على خيراتها ووسطيتها، حتى تصبح هذه الواجبات طريق التنمية والتقدم، وسبيلًا لإقامة مجتمع الخلافة والإعمار.

ب - تربية المجتمع على القيام فروض الكفاية :

لا شك أن إحياء فروض الكفاية، وترسيخ فلسفته ، وتوضيح أبعاده داخل المجتمع ، رهينًا بتربية المجتمع المسؤول الذي يحرص على أداء واجباته وتحصيل المصالح العامة المقصودة من إقامته، فيساهم في حماية الكيان الإسلامي وإعماره .

ج - إعداد وتكوين من يقوم بفروض الكفاية :

 أن للأمة مصالح كثيرة لا بد مِن وجودها لتنظم أحوالها، وتسعد في حياتها، ومن هذه المصالح ما لا يقدر عليه إلا باستعداد خاص وتعلم ودراية، فمثلًا الطب لا يقدر على القيام به الفلَّاح الذي لم يتجاوز فكره دائرة مزرعته ، والقضاء بين الناس لا يقدر عليه إلا الفقيه ذو الفِراسة الذي عنده علم بأحوال البيئة التي يعيش فيها، إلى غير ذلك من الكفايات اللازم وجودها، ولا يقدر عليها إلا بعض من الأمة، استعد لها وأتقن مقدماتها ووسائلها...وإذا لم يكن في الأمة مستعدون فعليها تذليل الطريق لإيجادهم بالتعليم .


سادسا : القصور نحو فروض الكفاية وأضراره :

1.  مقصود الشارع من فروض الكفاية حماية المصالح العامة للأمة ، من جلب مصلحة ودرء مفسدة ، لذلك فإن التقصير فيها يؤدي إلى ضياع المصالح العامة مما يضر بالمسؤوليات المجتمعية للأمة الوسط الشاهدة على الناس التي تقوم بعملية البلاغ ونصرة الحق وردع الظالم ونصرة حقوق الإنسان .

2. القراءة الدينية المعاصرة لفروض الكفاية  انحسرت أبعادها عن القضايا المصيرية للأمة ، واقتصرت على قضايا المصير الفردي من كفن وجنازة ونحو ذلك ، الأمر الذي يقتضي الوقوف والمراجعة والتصحيح.

3. وفي مجال السياسة أدي القصور في فروض الكفاية في كثير من الأحيان إلى غياب إرادة الأمة في اختيار الحاكم الذي يأتمنونه على مقدراتهم كلها .

4. إن القصور في فروض الكفاية أدّى إلى عدم التأكد من صفة القوة والقدرة على أداء الواجب بمستوى التحدي ودرجة الكفاية المطلوبة، وعدم التأكد من صفة الأمانة والتجرد والتفاني لأجل مصالح الأمة؛ وهما الصفتان الضروريتان لأجل الحفاظ على مصالح الأمة،

5. كما أدى القصور في فروض الكفاية إلى ظهورالاستبداد، الذي أجهض كل محاولات النهوض والتقدم ، كما أدت سيادة الاستبداد إلى مصادرة حرية التعبير والنصح الفردي والمجتمعي (الاحتسابي) الأمر الذي أدّى بالتالي إلى تكريس الأخطاء .

6. في مجال العلوم الكونية أدى  عدم الاهتمام بفروض الكفاية إلى تأخرنا في مجال التقانية والصناعة والاقتصاد، وفوّت علينا فرص التسخير التي كان يمكن استخدامها لأغراض الدفاع ومقاصد الردع وتحقيق رفاهية الإنسان .

السبت، 23 مارس 2019

تأثير القرآن الكريم والسنة المطهرة في حياة المسلم إعداد : محمد أبوغدير المحامي

مقدمة :
قال الإمام ابن تيمية: "من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا منظومه ولا منثوره ".

فإذا تم الإصغاء وحصل التدبر تزوق المسلم حلاوة النص القرآني والهدي النبوي وأثمر نهوضا وهمة عالية لامتثال الأوامر واجتناب النواهي ، وبهذا النهوض تحدث الهداية وتتحقق البشرى للمؤمنين الصالحين ،
حيث يقول الله تعالى : {ِ إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} الإسراء: 9 .
وقال تعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} آل عمران: 164.

 والحياة مع القرآن الكريم والتأسي بالرسول القدوة بها تتعمق جذور الإيمان والخشية من الله تعالى وتتهذب النفوس وتسود الأخلاق الحسنة ، وتحل السكينة والرحمة وشفاء وهدى ، وتكون سلاحا واقيا وسيلة للصبر والثبات ،

فهيا بنا نعيش مع القرآن تلاوة وتدبرا ودعاء وذكرا ونقف عند أهمية التمسك بالسنة النبوية وفضلها ، لنستمتع بثمرات القرآن والسنة والعمل بأحكامهما ، ونقف عند الشخصيات القيادية التي أثمرتها التربية الكتاب والسنة .

 أولا : الحياة مع القرآن وكيفية التأثر به :

1 . استشعارُ أن القرآنِ كلام الله تعالى إلى عباده لهدايتهم ، وانه منهجاً قويما لإصلاح الفردَ والمجتمع وأنه شفاءٌ من أمراض الشهوات والشبهات، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ).

2 . الإقبالِ على الله تعالى والقُرْبِ مما يحبُّه الله والامتثالِ لأمره، والابتعادِ عما نهى عنه، قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) .

3 .  تَكْرارُ الآيةِ وتَرديدُها، : فذلك له أثرٌ عظيمٌ في خشوع القلبِ ، وتثبيتٌ لها في الصدر، وسكينةٌ وطمأنينةٌ للقلب ، روى النسائي وابن ماجه عن أَبي ذَرٍّ أن النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ وهي قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). .

4 . التفاعل مع الآيات بالدعاء والتعوذ والاستغفار ونحوِهِ : كان ذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ، روى مسلم. حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ).

5 . أنْ يربطَ المؤمن  بين آياتِ القرآنِ والواقعِ الذي يعيشُهُ، ويجعلَ من الآيات منطلقاً لإصلاح حياتِه وواقعِه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.، وذلك من غير تكلُّفٍ .

6 . أنْ يَعْرِضَ المؤمنُ نفسَهُ على كتاب الله :
فينظرَ في صفات المؤمنين هل هو من المتصفين بها، وفي صفات المنافقين والكافرين هل هو بعيد عنها، أم أنه يتصف بشيء منها .


ثانيا : أهمية التمسك بالسنة النبوية وفضلها :

1- أن السنة مصدر من مصادر التشريع لأنها وحي من الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه.. رواه أحمدولذا كان جاحدها ومنكرها كافرا كفرا مخرجا من الملة

2- السنة شارحة للقرآن ومبينة له، قال شيخ الإسلام في الواسطية: فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه .
قال تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ).
وقال تعالى: ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ) َ.
قال الإمام الشافعي :
( كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ).

3- أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على التمسك بالسنة ورغب فيها لاسيما وقت الفتن والاختلاف، فقال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) .. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

ثالثا : ثمرات  القرآن والسنة والعمل بأحكامهما :

1 .  تعميق جذور الإيمان والخشية من الله تعالى :

القرآن كلام رب العالمين، فمن آثاره أن الذين يتلون القرآن هم أهل الله ، قال الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ) الأنفال:2 .
 وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ » ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ ؟ قَالَ :«هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» رواه النسائي وابن ماجه .
كما أن تلاوة القرآن تورث الدرجات العالية في جنة المأوى:
 وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : « يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا ، فَإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تَقْرَؤُهَا » رواه أَبُو داود والترمذي .
وبالقرآن تعميق لجذور الإيمان ،

وعن الخشية من الله تعالى فقد  وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ، وفي لفظ آخر : وفي رواية  مسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي ) ،  وفي صحيح أبي داود ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .

2 . تهذيب النفوس والتحلي بالأخلاق الحسنة،:

 في الإلتزام بالقرآن الكريم والسنة المطهرة تهذيب للنفوس والتحلي بالأخلاق الحسنة، قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} آل عمران: 164.
وقال ابن سعدي في تفسيره لقوله تعالى  "ويزكيكم " أي يطهر أخلاقكم ونفوسكم بتربيتها على الأخلاق الجميلة وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية" .
وروى أبو هريرة عند ابن أبي حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى : (فألهمها فجورها وتقواها) فقال: "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" .

3 . سكينة ورحمة وشفاء وهدى :

وتلاوة القرآن ومدارسته سكينة تنزل ورحمة تتغشى وملائكة تحف والله يذكرهم عنده سبحانه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده » رواه مسلم .

أما عن كون القرآن والسنة شفاء ورحمة وهدى فذلك ثمرة أحسان المؤمن لتدبُّرَ القرآن ،قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الإسراء: 82 ؛
وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ فصلت: 44 .
وفي تدبر آيات الله مخرج من الحيرة والقلق النَّفسي ومسكب للشُّعور بالطُّمأنينة والاستقرار، كما يزحزحه من حال التَّعاسة إلى السَّعادة وراحة البال.

4 . سلاح واق وسيلة للصبر والثبات :

كتاب الله وسنة رسول سلاح واق من الضلال ، قال صلى الله عليه وسلم : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي ).
وهما أيضا سلاح مضاد للأخطار  المحدقة بالفرد والمجتمع من الدَّاخل والخارج، فهذا ثمرة تدبر آياته والعمل بأحكامه ، قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ التحريم: 9 .
وما تسلَّط أعداء المسلمين أحْكموا قبضتهم على المسلمين  إلاَّ عندما هجروا  القرآن، ولم يلتزموا بما جاء فيه.

وهما كذلك الطريق إلى الصبر والثبات  فقال الله تعالى : ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا )
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} النساء: 66  أي على الحق ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل ، وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة» سنن الترمذي .
قال الله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} إبراهيم /27 . قال قتادة : " أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ، وفي الآخرة في القبر " . وقال سبحانه :{ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً } النساء /66 . أي على الحق .


رابعا : شخصيات قيادية من ثمرات الكتاب والسنة :

1 . اصبح عمر بن الخطاب الرجل قَبَلي الفكر والعاطفة المحدود التصور والإدراك إلى عمر الفاروق رجل الدولة العظيم ورمز العدل الذي يجمع بين الحزم والرحمة ، وسعة الأفق وصدق الإدراك وحسن الفراسة ، ولولا التزامه بالكتاب والسنة لعاش عمر  ومات وما أحس به أحد .

2 . وكان مصعب في الجاهلية الفتى المدلل، وكانت أمه من أغنى أهل مكة تكسوه أحسن وأجمل اللباس ، وكان أعطر أهل مكة ، فلما أسلم وتربى على يدي رسول الله انخلع من ذلك كله ، وأصابه من التعذيب والبلاء ما غيَّر لونه وأنهك جسمه، وكان أول سفير وأول داعية إلى الإسلام ، وقتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة إذا وضعت على رأسه تعرّت رجلاه, وإذا وضعت على رجليه برزت رأسه, فتحول الفتى المدلل إلى المجاهد الشهيد .

3 . وكان عبد الله بن مسعود راعي غنم مجهول لا يعرفه إلا سيده  عقبة بن أبي معيط ، فلما التزم بكتاب الله وسنة رسوله خاض المعارك الظافرة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ومع خلفائه ، وعزف عن المناصب والأموال ، ولم يصرفه صارف عن إخباته وتواضعه ، أصبح الرجل الذي يعتبر مؤسس مدرسة الرأي في الفقه الإسلامي والتي ينتسب إليها أبو حنيفة النعمان ، ويقول فيه عمر ابن الخطاب لأهل الكوفة لقد آثرتكم بعبد الله على نفسي .

4 . حاطب بن أبي بلتعة يجابه المقوقس حين قال لحاطب : ما منعه إن كان نبياً أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده ؟ فقال حاطب: ما منع عيسى وقد أخذه قومه ليقتلوه أن يدعو الله عليهم فيهلكهم ؟ فقال المقوقس: أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم أخرجه البيهقي .

5 .  المرأة التي كانت توءد ارتقت لتطالب بحقوقها إذا فقدتها وتجد من يسمع لها ويعطيها إياه ومن الأمثلة على ذلك ما أخرج النسائي عن عائشة – رضي الله عنها – أن فتاة قالت – يعني للنبي صلى الله عليه وسلم -: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فجاء فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله ! إني قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلّم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء”.

القرآن الكريم تلاوته ، وتدبره ، وهجره إعداد : محمد أبوغديرالمحامي

مقدمة :
القرآن الكريم نور من الله ورحمته المهداة للعالمين ، تلاوته سبب للرفعة في الدنيا والآخرة  ، وتدبره يُخرج من الحيرة والقلق النَّفسي؛ ليسكب فيه الشُّعور بالطُّمأنينة والاستقرار ، فإذا تضايق ولم يجد أحداً يواسيه ، والقرآن راحة القلوب وربيعُها ، فينبغي للمسلم أن يكون له عهد مع القرآن الكريم يوميَّاً .

والقرآن كالصاحب كلما طالت صحبته عرفت أسرارَه ، فالصاحب لا يُعطي سرَّه لمن يُجالسه لحظات ثم ينصرف ، فإذا أراد المسلمَ بركةً في وقتِـه وَعمله فَـليجعل من بينِ زحام مواعيدِهَ موعداً مع القرآن ، فلا يجوز للمسلم أن يكون لتلاوة القرآن هاجراً أو لأحكامه معطلاً .

والحديث عن مصاحبة القرآن تلاوة وتدبرا يستوجب بيان العناصر الآتية : تعريف القرآن الكريم وذكر أسمائه ، ومكانته وواجب المسلم نحوه ، وتلاوته وآدابها وفضلها ، وتدبره ووسائله وثمراته ، وأخيرا هجره وأنواعه ومظاهره :

أولا : تعريف القرآن الكريم وبيان أسمائه :

أ - تعريف القرآن الكريم :

يُعرَّف القرآن الكريم في الاصطلاح الشرعيّ :
بأنَّه كلام الله تعالى المُعجَز ، المُوحَى به إلى النّبي محمد عليه الصّلاة والسّلام بواسطة جبريل عليه السّلام ، المنقول بالتّواتر ، المَكتوب بين دفَّتَي  المُصحف ، المتعبَّد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة النّاس .

المقصود بأنَّه مُعجَز : أي أنَّ الله تعالى أنزل القرآن الكريم ليكون مُعجزةً مُؤيِّدةً للنبي -عليه الصّلاة والسّلام-، وتمثَّل الإعجاز بما حواه القرآن الكريم من فصاحةٍ وبلاغةٍ، وإخبارٍ عن الغيب وقصصٍ للأمم السَّابقة، وما تضمَّنه من إعجازٍ علميٍّ وتشريعي .
والمُراد بالمُوحَى به : أنه المُنزّلٌ من الله تعالى على النبيّ محمد عليه الصّلاة والسّلام بواسطة جبريل عليه السّلام .
أمَّا المُراد من أنَّه منقولٌ بالتَّواتر : أنَّه نُقِل من جمعٍ إلى جمعٍ بحيث يستحيل اتِّفاقهم على الكذب في نقله .
والمقصود بمتعبَّدٍ بتلاوته : أي أنَّ في تلاوته عبادةً وطاعة يتقرَّب بها المُؤمن لله تعالى ، وينال بموجبها الأجر والثَّواب العظيمين .

ب - أسماء القرآن الكريم :

للقرآن الكريم أسماءٌ ورد ذكرها في آيات القرآن منها الآتي :

. 1 الكتاب : في قول الله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ) سورة الدخان، آية: 1-2

. 2 الفرقان : في قول الله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) سورة الفرقان، آية: 1.

. 3 الذّكر: في قول الله تعالى: (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) سورة الأنبياء، آية: 50.

. 4 النّور: في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) سورة النساء، آية: 174.

. 5 تّنزيل رب العالمين: في قول الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة الشعراء، آية: 192.

ثانيا : مكانة القرآن الكريم وواجب المسلم نحوه :

أ - مكانة القرآن الكريم :

للقرآن الكريم مكانةٌ وأهميَّةٌ عظيمةٌ اختصَّه الله تعالى وميَّزه بها، ومن ذلك:

. 1 أنَّ القرآن الكريم رسالة الله إلى الإنسانيّة كافَّةً؛ لكونه أُنزِل على النّبي محمد -عليه الصّلاة والسّلام- الذي بعث للنّاس كافَّة، وكذلك فهو خاتم الكتب السماويَّة وآخرها.

. 2 أنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظه من التّحريف والتّبديل دوناً عن الكتب الأخرى، وفي ذلك قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر، آية: 9.

. 3 أنَّ القرآن الكريم بفصاحته وبيانه شكَّل إعجازاً تحدّى الله به العرب أهل الفصاحة والبيان .

4 . أنَّ القرآن الكريم كتابٌ جامعٌ حوى في سُوَرِه وبين آياته علاجاً وإجاباتٍ شافيةً لقضايا روحيَّةٍ، وعقديَّةٍ، وأخلاقيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، وسياسيَّةٍ، واقتصاديَّةٍ.

ب - واجب المسلم نحو القرآن الكريم :

. 1 أن يجعل للقرآن الكريم حظا وافرا في برنامج حياته اليومي، فلا يمضي يومه دون تلاوته .

. 2 تدبُّر معاني آياته ، ومعرفة معانيها وتتبع مراميها، والإستعانة بكتاب أو أكثر للتفسير مفيد في هذه الناحية.

. 3 حفظ ما يستطيع من سوره وآيات القرآن ، فبها ينتظم عهد المسلم بالقرآن حفظاً وتدبراً في النَّهار، وقياماً في الليل بما حفظ.

. 4 الوقوف عند أحكامه، فأحكام القرآن واجبة التنفيذ والتطبيق .

. 5 تعلُّم أحكام تلاوته، وتعليمه لغيره وخاصة أهل بيته فذلك الأهم .
- 6 الترتيل فلا التعجيل".

- 7 ضع القرآن على قائمة أولوياتك، فلا يشغلك شيء عنه.

ثالثا : تلاوة القرآن
معناها وآدابها وفضلها :

أ - معني تلاوة القرآن :

 يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : تلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب ، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل

ب - آداب تلاوة القرآن الكريم :

آداب تلاوة القرآن الكريم كثيرة نذكر منها:

. 1 الإخلاص : وقصد العمل لوجه الله، واستحضار القارئ وقوفه بين يدي الله تعالى مناجياً إياه.

. 2 ترتيل القرآن الكريم وتدبره، والبكاء عند المرور على الآيات التي تستلزم لذلك.

. 3 عدم قطع التلاوة لحديث إلا ما تستلزمه الضرورة، وترك ترقيق الصوت أثناء تلاوته.

. 4 الإيمان به، وتعظيمه، والتصديق بما جاء فيه، والخشوع أثناء قراءته. . 5 الاستعاذة من الشيطان الرجيم، والإتيان بالبسلمة.

. 6  تنظيف الفم بالسواك أو بسائر العيدان.

 . 7الطهارة ، إذ يستحب لمن يريد أن يقرأ القرآن الكريم أن يكون متطهراً.

. 8القراءة في مكان نظيف ، وأفضل الأماكن وأجلّها هي المساجد، فالقراءة فيها مستحبّة.

. 9استقبال القبلة، والجلوس بخضوع، وإخبات، ووقار.

. 10ترك الضحك والمزاح، ولهو الحديث أثناء قراءته،
 وتجنّب الاشنغال بما يلهي عنه أثناء تلاوته.

. 11تعلّم علومه، والوقوف على أحكامه وشرائعة، والعمل بأوامره.

ج - فضائل تلاوة القرآن :

لتلاوة القرآن فضائل كثيرة هذا بعضها :

 . 1 تلاوة القرآن نعمة يُحسد عليها المؤمن :فعن ابن عمر رضي اللهُ عنهما ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاء اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً ، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ )) متفقٌ عَلَيْهِ .
والحسد هنا الغبطة ، أن تتمنى ما لأخيك من خير دون أن حقد أو تمنٍّ لزواله .

. 2 وتلاوته سبب للرفعة في الدنيا والآخرة :فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخرِينَ )) رواه مسلم .

. 3 تلاوة القرآن نور في الأرض وذخر في السماء :فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت : يا رسول الله أوصني ، قال :« عليك بتقوى الله ؛ فإنه رأس الأمرِ كلِّه » ، قلت : يا رسول الله زدني ، قال :«عليك بتلاوة القرآن ؛ فإنه نور لك في الأرض ، وذخر لك في السماء » رواه ابن حبان.

. 4 تلاوة القرآن سكينة تنزل ورحمة تتغشى وملائكة تحف والله يذكره :فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم .

5 . القرآن يُقرأ بعشر حسنات  :
فعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ قَرَأ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا ، لاَ أقول : {ألم} حَرفٌ ، وَلكِنْ : ألِفٌ حَرْفٌ ، وَلاَمٌ حَرْفٌ ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي .

. 6 والتالون للكتاب أهل الله :
فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ» . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ ؟ قَالَ :«هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» رواه النسائي وابن ماجه .

. 7 والتلاوة أمان من الغفلة:
 فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين» رواه الحاكم .

. 8 بالتلاوة يكون العبد في قائمة القانتين :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين» رواه ابن خزيمة.

. 9  بها تُنال شفاعة القرآن :
 فعن أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول : «اقْرَؤُوا القُرْآنَ ؛ فَإنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ» رواه مسلم .

. 10  التلاوة تورث الدرجات العالية في جنة المأوى:
 وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : « يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا ، فَإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تَقْرَؤُهَا » رواه أَبُو داود والترمذي ، قال الحافظ رحمه الله في الفتح :" والمراد بالصاحب الذي ألفه ، قال عياض : المؤالفة المصاحبة.

رابعا :تدبر القرآن الكريم
معناه ووسائله وثمراته :

أ - معنى تدبر القرآن الكريم :

تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ يعني:
أن تعلم أنك مخاطَب بكلام الله تعالى، فتُصْغِي له بأذن قلبك، وتتأمله بعين فؤادك، فإذا وعيت عن الله تعالى قوله، وفهمت من كلامِهِ مرادَهُ، وتَشَرَّبَ قلبُكَ معانيه، فانهض لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، حتى يُرى القرآن في سمتك، وتصطبغ به أخلاقك، ويظهر أَثَرُه على قولِكَ وفعلِكَ ، قَالَ الله تَعَالَى ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ سورة محمد : الآية/ 24.

ب -  وسائل تدبر القرآن الكريم :

1 .تنويرُ البصيرةِ بالإقبالِ على الله تعالى والقُرْبِ مما يحبُّه الله والامتثالِ لأمره، والابتعادِ عما نهى عنه، قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)، فالعلمُ نورٌ، والمعصيةُ ظُلْمَةٌ، ولا بدَّ لمن يريدُ النورَ أنْ يبتعدَ عن كلِّ ما فيه ظُلْمَة، فكلما ابتعدَ المسلمُ عن المعاصي كان أقربَ إلى التوفيقِ والسداد.

2 . استشعارُ أن القرآنِ كلام الله تعالى إلى عباده لهدايتهم لأفضل السُّبُل التي فيها نفعهم في الدنيا والآخرة، وأنه شفاءٌ من أمراض الشهوات والشبهات، والقرآن يعطي منهجاً سليماً في الحياة ويُصْلِحُ الفردَ والمجتمع ، وقد وصف الله تعالى تأثُّرَ المؤمنين بالقرآن فقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً).

3 .  تَكْرارُ الآيةِ وتَرديدُها، : فذلك له أثرٌ عظيمٌ في حضورِ القلبِ ، وتثبيتٌ لها في الصدر، وسكينةٌ وطمأنينةٌ للقلب ، وى النسائي عن أَبي ذَرٍّ أن النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ وهي قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وابن ماجه.

ا4 . لتفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار ونحوِهِ : كان ذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ، روى مسلم. حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ).

5 . القراءةُ بتأنٍ وهدوء، والتفاعلُ مع الآيات بحضور القلب، وإلقاء السمع، وإمعان النظر، وإعمال العقل. فلا يكون هَمُّهُ الإكثارَ من القراءة بدون تأمُّلٍ وفَهْمٍ لما يقرؤه.

6 . أنْ يربطَ الإنسانُ بين آياتِ القرآنِ والواقعِ الذي يعيشُهُ، ويجعلَ من الآيات منطلقاً لإصلاح حياتِه وواقعِه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.، وذلك من غير تكلُّفٍ وتمحُّل في إنزال الآيات على الواقع.

7 . التأمُّلُ في سِياقِ الآيةِ : أي في ما قبل الآية وما بعد بعدها ، فلا بد أن يكون هناك الكثيرُ من الحِكَمِ والأسرارِ في هذا الترتيب.

8 . أنْ يَعْرِضَ المؤمنُ نفسَهُ على كتاب الله، فينظرَ في صفات المؤمنين هل هو من المتصفين بها، وفي صفات المنافقين والكافرين هل هو بعيد عنها، أم أنه يتصف بشيء منها

ج - ثمرات تدبُّر القرآن :

وهي ثمار عديدة لا يمكن حصرها ، ومن أبرزها:

 - 1في التدبر تعميق جذور الإيمان:
تدبُّر آياتِ القرآن الكريم يجعل المؤمن يزداد يقيناً بأنَّه من عند الله تعالى، فلا يجد فيه آيةً تُعارض أخرى، ولا يجد لفظةً يمكن استبدالها بأخرى، وإنَّما يسير على نسق واحد من أوَّله إلى آخره ، فيستشعر أنَّه من لدن حكيمٍ خبير .
تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار ، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ .

- 2 التدبر طريق لمعرفة الرَّبِّ جلَّ جلالُه:
ومن أعظم ثمرات تدبُّر القرآن: أنَّه يُعَرِّفُ بالرَّبِّ تعالى، وعظيمِ سلطانه وقدرته، وعظيمِ تفضُّله على المؤمنين ،
وبه يُعرِّف الطَّريقَ الموصلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه ،
وبتدبر القرآن يُعرِّف العدوَّ والطَّريقَ الموصلة إلى العذاب؛ وصفة أهل النار .

- 3 بالتدبر تحقيق العبوديَّة لله تعالى:
فتدبُّر القرآن وسيلة لمعرفة ما يريد الله مِنَّا، وكيفيَّة عبادته تبارك وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا ؛ لأنَّ القرآن العظيم هو التَّشريع الواجب الإلتزام بأوامره وتجتنب نواهيه ، وبه تتحقق عبادة الله تعالى كاملة وخالصة.

 - 4 التدبر غذاءٌ وعلاجٌ :
فهو غذاء للرُّوح، وعلاج يشفي النُّفوس من علَّلها، ويُكْسِبها المناعة القويَّة - إذا أحسن المؤمن تدبُّرَه، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82]؛ وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ [فصلت: 44].
التَّدبُّر يُخرج المتدبِّر من الحيرة والقلق النَّفسي؛ ليسكب فيه الشُّعور بالطُّمأنينة والاستقرار، كما يزحزحه من حال التَّعاسة إلى السَّعادة وراحة البال.

- 5 التدبر سلاح :
كما أنَّ التَّدبُّر سلاح يدفع الأخطار المحدقة بالفرد والمجتمع من الدَّاخل والخارج، حيث يُسْتَعْمَلُ في جهاد النَّفس، ومقاومة المنافقين، وجهاد الكافرين على حدِّ قوله تعالى : ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ الفرقان: 52
وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ التحريم: 9 .
لأنَّ أعداء المسلمين لم يتسلَّطوا ويُحْكموا عليهم القبضة إلاَّ عندما هجروا تدبُّرَ القرآن، ولم يلتزموا بما جاء فيه.

 - 5التدبر طريق لتربيةً العقول:
معرفة ما أنزل الله تعالى من أعظم ما يُربِّي العقول ويجعلها تفهم الحقائق النَّافعة فتتَّبِعها، والضَّارة فتجتنبها؛ فلا تميل بها الأهواءُ والخرافات الضَّارَّة المفسدة للعقول.
وبالعقل الصَّحيح يَعْقِلَ العبدُ - في قلبه - الحقائقَ النَّافعة، ويميز بينها وبين ضِدِّها، ويعرف الرَّاجح من الأمور فيؤثره، والمرجوحَ أو الضَّارَ فيتركه.

. 6 والتَّدبُّر في الصَّلاة وخارجها يثمر الخشوع :
فيكون صاحِبُه من المفلحين الخاشعين الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ المؤمنون: 1-2.

خامسا: هجر القرآن
معناه وأنواعه ومظاهره:

هجر القرآن ذَكَره الله في كتابه بقوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} سورة الفرقان: الآية (30).

أ - معنى الهجر وأنواعه :

قال بعض أهل العلم: "من لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومن قرأ القرآن ولم يتدبَّر معانيه فقد هجره، ومن قرأه وتدبَّره ولم يعمل بما فيه فقد هجره".

وحول معنى هجر القرآن ذكر ابن القيم رحمه الله في الفوائد خمس أنواع للهجر :

. 1هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

. 2هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.

.3 هجر الحكم به والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

 . 4هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلِّم به منه سبحانه وتعالى.

 . 5هجر الاستشفاء والتداوي به من جميع أمراض القلوب وأدوائها .

ب - متى يعد الترك هجرا لتلاوة القرآن ؟ :

 يُسن ختمه في كل أسبوع :
 جاء ذلك في المغني لإبن قامة ، واستدل في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "اقرأ القرآن في سبع" رواه البخاري .

ويُكره تأخير ختم القرآن فوق أربعين يوماً بلا عذر :
قال الإمام أحمد أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين ، ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به ، ويحرم تأخيره فوق الأربعين إن خشي نسيانه.

ولابد من استذكار القرآن وتعاهده :
لإنه أشد تَفَصِّيًا من صدور الرجال من النعم ، روى البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عُقُلها " ، التفصي: التخلص والتفلت .

ج - آثار هجر تلاوة القرآن الكريم :

. 1 كثرة الهمّ والحزن في الحياة، فالحياة مليئة بالمشاكل والهموم، ومن فقد نور القرآن لن يتمكن من الوقوف في وجه هموم الحياة.

. 2 إظلام النفس، ووحشة القلب، حيث يشعر المسلم الهاجر لكتاب الله بظلمة في نفسه، تنعكس على سلوكه اليومي، وعلى مزاجه العام.

. 3 قلَّة بركة الرزق، فيشعر أنَّ الرزق رغم وفرته باستمرار لا بركة فيه أبداً، وأنَّه لا يكفي حتى معاشه اليومي.

. 4 نفور في العلاقات الاجتماعيَّة اضطراب النفس والشعور بالتوتر ، فتلاوة القرآن سكينة تنزل ورحمة تتغشى وملائكة تحف وقد حرم هاجر القرآن من هذا الخير.

فقه الدعاء إعداد : محمد أبوغدير المحامي

مقدمة :
الإنسان ضعيف مهما كانت قوته فقير مهما كانت قدرته ، لذلك يتعبد إلى الله تعالى بأن يعلن افتقاره إليه تعالى ويرجو رحمة ويخاف عذابه ، فيطمئن قلبه بذكره ويجتهد في إستغفاره .

ومن لزم الدعاء لن يدركه الشقاء ، وتفتح له أبواب الرحمة ، ويرفع عنه البلاء قبل نزوله وبعد نزوله ، وفي الدعاء سلامة من الكبر ، وهو سبب لدفع غضب الله تعالى .

ومن كان حريصا على أن يستجيب الله لدعائه فليتحلى بالإخلاص في القول والعمل ويلزم التوبة من المعاصي ويحرص على اللقمة الحلال ويتزرع بالصبر والأناة ، ويحسن الظن بالله تعالى ويكون حاضر القلب، متدبرا لمعاني ما يقول ، ولا يعتدي في الدعاء  ولا يشغله عن أمر واجب أو فريضة حاضرة .

ويستحب للداع أن يسبق دعاءه بحمد الله تعالى والثناء عليه، وأن يكون حال دعائه على وضوء مستقبلا القبلة، وليستشعر التذلل والافتقار والانكسار ، وأن يتخير أحسن ألفاظ الدعاء ومعانيه الجامعة ،  وأن يترصد لدعائه الأوقات المباركة ويغتنم الأحوال الفاضلة .

والعبد المؤمن المستجيب لأمر الله والمنكسر بين يديه يدعوه وهو موقن بالاجابة ، قال الله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } البقرة : 186. 

فهيا بنا في هذه السطور نعيش فقه الدعاء من حيث تعريفه وأنواعه ، ونقف عند معانيه الواردة في القرآن الكريم، ولنتدبر جوامع الدعاء في الكتاب والسنة ، ولنستعذب فضائله وثمراتُه ، ونقف عند آدابه ومستحباته وشروط قبوله ، وبيان ذلك في الآتي :

أولاً : تعريف الدعاء في اللغة والاصطلاح وأنواعه :

أ - الدعاء لغة :
.
قال ابن منظور في لسان العرب مادة (د ع و) : دعا الرجلَ دعوًا ودعاءً: ناداه. والاسم: الدعوة.
ودعوت فلانًا: أي صِحت به واستدعيته -.

ب - الدعاء شرعًا :

قال الخطابي: معنى الدعاء : استدعاءُ العبدِ ربَّه عزَّ وجلَّ العناية ، واستمدادُه منه المعونةَ.

وحقيقة الدعاء : إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرُّؤ من الحول والقوّة ، وهو سمةُ العبودية، واستشعارُ الذلَّة البشريَّة ، وفيه معنى الثناء على الله عزَّ وجلَّ، وإضافة الجود والكرم إليه.

ج : الدعاء نوعان هما :

1. دعاء المسألة :
 هو طلب ما ينفع الداعي ، وطلب كشف ما يضره ودفعه .

2. دعاء العبادة :
وهو التقرب إلى الله بجميع أنواع العبادة، الظاهرة والباطنة، من الأقوال والأعمال، والنيات والتروك، التي تملأ القلوب بعظمة الله وجلاله. 

ثانياً : معاني الدعاء في القرآن الكريم :

ورد الدعاء في القرآن الكريم على وجوه عديدة في المعنى بيانها في الآتي :

1- الدعاء بمعنى العبادة :
كما في قوله تعالى : { وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } الكهف:28 .

2- الدعاء بمعنى الطلب :
كما في قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } البقرة : 186.

3- الدعاء بمعنى الاستغاثة :
كما في قوله تعالى: { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } البقرة :23 .

4 - الدعاء بمعنى النداء :
كما في قوله تعالى: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } الإسراء : 52 .

5 - الدعاء بمعنى توحيد الله وتمجيده والثناء عليه :
كما في قوله تعالى: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }الإسراء : 110 .

6 - الدعاء بمعنى الحثّ على الشيء :
كما في قوله تعالى: { قَالَ رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } يوسف:33  .

7 - الدعاء بمعنى رفعة القدر :
كما في قوله تعالى: { لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلآخِرَةِ } غافر:43.

8 - الدعاء بمعنى القول :
 كما في قوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} الأعراف:5 .

9 - الدعاء بمعنى سؤال الاستفهام :
كما في قوله تعالى:{ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } البقرة:68.

10- الدعاء بمعنى التسمية :
كما في قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} الإسراء:110 .
والمعنى: أيا ما تسمّوا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم"

ثالثا : جامع الدعاء من الكتاب والسنة :

 أ - من القرآن الكريم  :

1 . ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ الفاتحة: 6 ، 7 .

2 . ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ البقرة: 201 .

3 . ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا * رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ البقرة: 286 .

 4 . ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ آل عمران: 8 .

5 . ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ آل عمران: 147 .

6 . ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ آل عمران: 193، 194 .

7 . ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ الأعراف: 89 .

8 . ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ يونس: 85، 86 .

9 . ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ إبراهيم: 41 .

10 . ﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ الإسراء: 24 .

ب - الدعاء من السنة المطهرة :

1 . ( اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد)؛ رواه البخاري .

3 .  ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم)؛ رواه البخاري .

4 . ( اللهم أحيِني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)؛ رواه البخاري .

5 . ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )؛ رواه البخاري .

6 . ( اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا )؛ رواه البخاري

7 . ( اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين، وغلَبة الرجال )؛ رواه البخاري .

8 . ( اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض مِن الدَّنس، اللهم اغسِلْني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد ) رواه مسلم .

9 . ( اللهم أصلِحْ لي دِيني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شر ) رواه مسلم .

10 . ( اللهم اغفِرْ لي ما قدمتُ وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيءٍ قدير ) رواه مسلم .

11 . ( اللهم أعوذ برضاك مِن سخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيت على نفسك )؛ رواه مسلم .

رأبعا :  فضائلُ الدعاءِ وثمراتُه :

 ذكرت آيات كريمة وأحاديث نبوية فضائل الدعاء وثمراته منها :

1- أن الله تعالى أثنى على أنبيائه به :
فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ} الأنبياء:90 ، فأثنى سبحانه عليهم بهذه الأوصاف الثلاثة: المسارعة في الخيرات، ودعاؤه رغبة ورهبة، والخشوع له، وبيَّن أنها هي السبب في تمكينهم ونصرتهم وإظهارهم على أعدائهم، ولو كان شيء أبلغ في الثناء عليهم من هذه الأوصاف لذكره سبحانه وتعالى .

2 - أنَّه سنَّة الأنبياء والمرسلين، ودأب الأولياء والصالحين، ووظيفة المؤمنين المتواضع :
قال تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57 .

3 - وهو صفة من صفات عباد الرحمن :
قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } إلى قوله: { وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } الفرقان:65-77 .

4 - أنه شأن من شؤون الملائكة الكرام :
قال تعالى:  {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [غافر:7-9]..

5 - أنه من أفضل العبادات :
عن النعمان بن بشير قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ...} - أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه
قال المباركفوري: "أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله, والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه".

6 -  أنه أكرم شيء على الله تعالى :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء)) - أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه
قال الشوكاني: "قيل: وجه ذلك أنه يدل على قدرة الله تعالى وعجز الداعي، والأولى أن يقال: إن الدعاء لما كان هو العبادة, وكان مخ العبادة كما تقدم، كان أكرم على الله من هذه الحيثية؛ لأن العبادة هي التي خلق الله سبحانه الخلق لها، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]" - تحفة الذاكرين (ص30).

7 - أنَّ الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجالسَ ويلازمَ أهلَ الدعاء، وأن لا يعدُوَهم إلى غيرهم بالنظر فضلا عمَّا هو فوقه، قال الله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

8 - أنَّ الله تعالى نهى عن الإساءة إلى أهل الدعاء، تشريفا وتكريما لهم :
فقال: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الأنعام : 52 .

9 - أن الله تعالى قريب من أهل الدعاء :
قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } البقرة:186 ، وقد جاء في سبب نزولها أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية - انظر: تفسير الطبري (2/158).

10 - أنَّ من لزم الدعاء فلن يدركه الشقاء.
قال الله تعالى عن زكريَّا: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} [مريم: 4]، وقال عن خليله إبراهيم: {عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} [مريم: 48].

11 - أنَّه من صفات أهل الجنة في الجنة*:
قال تعالى: {دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمفِوَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [يونس: 10].

12 -  أنه مفتاح أبواب الرحمة، وسبب لرفع البلاء قبل نزوله وبعد نزوله :
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئا يُعطى أحب إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء ) - أخرجه الترمذي وضعفه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع

13 - أنه يرد القضاء :
فعن ثوبان مولى رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا يرد القدر إلا الدعاء)) - أخرجه أحمد والترمذي  وابن ماجه في المقدمة وحسنه الألباني.
قال الشوكاني: "فيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة" - تحفة الذاكرين

14- والدعاء سلامة من الكبر :
قال تعالى : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).

15 - والدعاء سبب لدفع غضب الله :
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه). أخرجه أحمدُ، والترمذيُّ، وابن ماجة.

خامسا : آداب الدعاء ومستحباته  :

للدعاء آداب ومستحبات ينبغي مراعاتها ، منها :

1. تبدأ أولا بحمده والثناء عليه تبارك وتعالى :
 عن فضالة بن عبيد ( رضي الله عنه ) : قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إذ دخل رجل فصلى : فقال : اللهم أغفر لي وارحمني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عجلت أيها المصلي اذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله ، وصل علي ثم ادعه ) ، قال : ثم صلى اخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم .فقال له النبي صلى الله : ( أيها المصلي ادع تجب ) رواه أبو داوود والترمذي .

2. الوضوء :
كما في حديث ابي موسى الاشعري ( رضي الله عنه : ) لما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعبيد أبي عامر ، دعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال : ( اللهم أغفر لعبيد ابي عامر .. ) رواه البخاري ومسلم . والحديث طويل )

  3 - استقبال القبلة :
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فدعا على نفر من قريش)) - أخرجه البخاري.

 4 - اختيار أحسن الألفاظ وأجمعها للمعاني :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة، فإنَّ ذلك لا ريب في فضله وحسنه .

5- التذلل والافتقار  :
فقد أرشدك النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : ( دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت : لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين . فانه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط الا استجاب الله له )
رواه الترمذي والحاكم

6- أن يترصد لدعائه الأوقات المباركة :
كعشية عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، وخاصة العشر الأواخر منه، وبالأخص ليلة القدر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل، وبين الأذان والإقامة.

7- أن يغتنم الحالات الفاضلة:
كالسجود، ودبر الصلوات، والصيام، وعند اللقاء، وعند نزول الغيث.
قال ابن القيم: "((دبر الصلاة)) يحتمل قبل السلام وبعده،

8- أن يستغلَّ حالات الضرورة والانكسار :
 وساعات الضيق والشدة كالسفر، والمرض، وكونه مظلوما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده)) - أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد

9- رفع اليدين وبسط الكفَّين :
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: ((دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه)) - أخرجه البخاري  ومسلم ،

10 - أن يواكب دعائه عمل صالح :
ومن الادب الحسن والذي يرجي به لصاحبه ان يستجاب دعاؤه أن يقدم بين يدي دعائه عملا صالحا كصلاة او صيام او صدقة.

11- ان يخفض الداعي صوته اذا دعاء :
فقد مدح الله تعالى نبيه زكريا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بخفض الصوت في الدعاء ، فقال تعالى : ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا اذ نادى ربه نداء خفيا ) مريم : 3.2) .

12 - الجزم في الدعاء والعزم في المسألة :
 فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه ) - رواه البخاري ومسلم.

 سادسا : شروط قبول الدعاء :

لا يقبل الله الدعاء ولا يستجيب للداع إلا إذا توفرت جملة من الشروط، بيانها في الآتي :

1- الإخلاص في الدعاء :
الدعاء من أشرف الطاعات وأفضلِ القربات ، ولا يقبله الله  إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، قال الله تعالى : {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} غافر: 14،
قال ابن رجب: "واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين, لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة".

2- الصبر وعدم الاستعجال :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي ) - رواه البخاري ومسلم
وقال ابن القيم: "ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله"،

3- التوبة من المعاصي :
هذا الشرط ركيزة ضرورية في بناء الدعاء المستجاب ، وبدونه يصح الدعاء ضعيفا واهيا.
 قال عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والسبيح .
قال بعض السلف : لا تستبطئ الاجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي .

4- أكل الحلال وتجنب الحرام :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل الا طيبا وان الله أمر  المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم )) المؤمنون : 51 ) .

5- حسن الظن بالله تعالى :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ) - أخرجه الترمذي والحاكم.

5- حضور القلب، وتدبر معاني ما يقول :
لقوله صلى الله عليه وسلم فيما تقدم: ((واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه)).

6 - عدم الاعتداء في الدعاء :
والاعتداء هو كل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به،
قال الله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} الأعراف: 55 ،
فمن ذلك : أن يسأل الله تعالى ما لا يليق به من منازل الأنبياء ، أو يتنطع في السؤال بذكر تفاصيل يغني عنها العموم ، أو يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات.

7- أن لا يشغله الدعاء عن أمر واجب أو فريضة حاضرة :
كإكرام ضيف، أو إغاثة ملهوف، أو نصرة مظلوم، أو صلاة، أو غير ذلك..

8-  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، فتدعونه فلا يستجاب لكم ) - رواه الترمذي.

سابعا : أوقات وأحوال إستجابة الدعاء  :

أ - أوقات استجابة الدعاء :

1. ليلة القدر :
 فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة لما قالت له : أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ، ما أقول فيها ؟ قال : قولي " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".

2. الدعاء في جوف الليل :
هو وقت السحر ووقت النزول الإلهي فإنه سبحانه يتفضل على عباده فينزل ليقضي حاجاتهم ويفرج كرباتهم فيقول : " من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له" رواه البخاري.

3. دبر الصلوات المكتوبات :
في حديث أبي أمامة " قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات" رواه الترمذي .

4. بين الأذان والإقامة :
 فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) رواه أبو داود .

5. عند النداء للصلوات المكتوبة وعند التحام الصفوف في المعركة :
كما في حديث سهل بن سعد مرفوعاً : " ثنتان لا تردان ، أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً " رواه أبو داود .

6. عند نزول الغيث :
كما في حديث سهل بن سعد مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ثنتان ما تردان : ( الدعاء عند النداء وتحت المطر ) رواه أبو داود .

7. في ساعة من الليل :
كما قال عليه الصلاة والسلام :" إن في الليل ساعة لا يوافقها مسلم يسأل خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة" رواه مسلم .

8. ساعة يوم الجمعة :
فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال : ( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه ) وأشار بيده يقللها . رواه البخاري ومسلم .

10 . الدعاء بعد زوال الشمس قبل الظهر :
فعن عبد الله بن السائب – رضي الله عنه أن رسول الله كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال : " إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح " رواه الترمذي .

11 . الدعاء عند الاستيقاظ من الليل وقول الدعاء الوارد في ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم : " مَنْ تَعَارَّ ( أي : استيقظ )مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ " رواه البخاري .

ب - أحوال استجابة الدعاء :

1. عند شرب زمزم :
فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع " .

2. في السجود :
قال صلى الله عليه وسلم : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " رواه مسلم .
3. عند سماع صياح الديكة :
لحديث : " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ، فإنها رأت ملكاً " رواه البخاري ومسلم .

4. عند الدعاء بـ" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " :
قد صح عنه صلى الله عليه وسلم : أنه قال : " دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له " رواه الترمذي .

5. إذا وقعت عليه مصيبة فدعا بـ "إنا لله إنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها :
 " عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها " رواه مسلم .

6. دعاء الناس بعد قبض روح الميت :
ففي الحديث أن النبي صلى الله دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال : " إن الروح إذا قبض تبعه البصر ، فضج ناس من أهله فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " رواه مسلم .

7. الدعاء عند المريض :
روى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : قال صلى الله عليه وسلم : " إذا حضرتم المريض فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون .. قالت : فلما مات أبو سلمة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أبا سلمة قد مات، فقال لي : قولي : اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة " قالت : فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه ، محمداً صلى الله عليه وسلم ".

8 . دعوة المظلوم
في الحديث : " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " رواه البخاري ومسلم .

9 . دعاء الوالد لولده – أي : لنفعه - ودعاء الصائم في يوم صيامه ودعوة المسافر :
 فقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاث دعوات لا ترد : دعوة الوالد لولده ، ودعوة الصائم ودعوة المسافر " رواه البيهقي .

10 . دعوة الوالد على ولده – أي : لضرره :
ففي الحديث الصحيح : " ثلاث دعوات مستجابات : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده " رواه الترمذي .

11. دعاء الولد الصالح لوالديه :
أخرج مسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به )

الاثنين، 6 أغسطس 2018

من أسماء الله الحسنى ... 4 . القيوم إعداد : محمد أبوغدير المحامي

من أسماء الله الحسنى ... 4 . القيوم

أولا :تعريف الاسم  لغة واصطلاحا :

القيوم في اللغة :

القَيُّومُ : القائمُ الحافظُ لكل شيء ، دائم القيام على كلّ شيء .

القيُّوم : اسم من أسماء الله الحُسْنى ، ومعناه : القائم على كلّ شيءٍ بما يجب له ، والمتكفّل بتدبير خلقه فلا قوامَ بغيره .

القيوم في الاصطلاح  :

القيوم هو : القائم الدائم بلا زوال بذاته ، وبه قيام كلّ موجود في إيجاده وتدبيره وحفظه.

قال ابن جرير: ("القَيُّوم": القَيِّم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص)،

.
ثانيا : اسم الله القيوم في القرآن والسنة:

إ – اسم الله القيوم في الكتاب :

اسم الله القيوم ورد في القرآن في ثلاثة مواطن مجتمعين مع اسمه تعالى الحي   :
في آية الكرسي :" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) .
وفي فاتحة آل عمران : الم . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ   ) .
وفي سورة طه : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) .

ب – اسم الله القيوم في السنة :

فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ"  البخاري

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى.."رواه أبو داود

.
ثالثا : دلالاته اسم القيوم في حق الله تعالى :

لما ثبت كونه سبحانه قيوما، فهذه القيومية لها لوازم، ويجملها في خمس، أوجزها فيما يلي:

أ – أن واجب الوجود واحد وهو الله تعالى :
وهو الله تعالى، بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، إذ لو كانت كذلك لافتقرت إلى كل جزء منها، وكل جزء غيره سبحانه، والمركب متقوم بغيره، فلا يكون إذا متقوما بذاته، ولا مقوما لسواه، ومن ثم لا يكون على الإطلاق قيوما.

ب – أن لا يكون سبحانه في محل حال :
 لأن الحال مفتقر إلى المحل، وإذا كان مفتقرا فلا يكون على الإطلاق قيوما.

ج – فهو سبحانه قائم بنفسه :
ما دام أنه الله تعالى قيوم، فهو قائم بنفسه، عالم بذاته، وذاته مؤثرة في غيره، وهذا يقتضي علمه بكل الموجودات، فكان قيوما عليها.
قال الله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: 33]؛ قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: " القائم الحفيظ والمتولي لأمور خلقه، المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق، وإحصاء الأعمال على كل نفس.

اللازمة الرابعة: ما دام أنه سبحانه قيوم على كل ما سواه، فكل ما سواه متقوم به، أي موجود بإيجاده.

ه‍ – يستند إليه سبحانه كل الممكنات :
 وما دام أنه سبحانه قيوم بالنسبة إلى كل الممكنات، استند كل الممكنات إليه.
وإذا عرفت هذا، فالقيوم من حيث إنه يدل على تقومه بذاته يدل على وجوده الخاص به، ويدل على استغنائه عن غيره.
وهذه المسألة تفطن لها العلماء ورثة الأنبياء دون غيرهم، الذين يعرفون قدر الله وعدله وقسطه، ولذلك استشهدهم على وحدانيته القائمة بالقسط والعدل، فقال سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18]،

.
رابعا : حظ المؤمن من اسم الله القيوم  :

أن يعود الإنسان نفسه انقطاع قلبه عن الخلق، مادام يعرف أن الله سبحانه وتعالى، هو القائم والقيوم لذلك قال بعض العارفين: " حسبك من التوكل ألا ترى لنفسك ناصراً غيره ".

ألا ترى لنفسك ناصراً غيره، ولا لرزقك خازناً غيره، ولا لعملك شاهداً غيره ، في صحيح البخاري، أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ.... ) .

أن من علم أن الله هو القيوم للأمور استراح من كد التدبير، وتعب الاشتغال بغيره، وعاش براحة النفس، ولم يكن للدنيا عنده قيمة .

يرى أن الله عز وجل لا ينسى ولا يغفل وأمره بيده، فإذا تيسر فالحمد لله، وإذا تعسر لا حول ولا قوة إلا بالله ، ويرى أن قيامه كله بالله ، ذكاءه، عقله، حكمته، سمعه، بصره،
قال بعضهم: يا رب لست سبحانك فلسْت محتاجاً إلى أحد، والكل محتاج إليك، يا عليم السر في أغواره، كيف للأسرار أن تخفى عليك ؟ كل شيء بك باق دائماً، والذي تقضيه مكتوب لديك، يا مضيء النجم، يا قيوم يا ناقل الأطيار من أيك لأيك.


خامسا : الْحَيِّ الْقَيُّومِ اسْمَ اللهِ الْأَعْظَم والدعاء به  عبادة :

أ – الْحَيِّ الْقَيُّومِ اسْمَ اللهِ الْأَعْظَم :

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " فِي هَذه الْآيَتَيْنِ {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وَ {الم اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} إِنَّ فِيهِمَا اسْمَ اللهِ الْأَعْظَمَ " رواه أحمد في مسنده

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: " إِنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَآلِ عِمْرَانَ ، وَطَهَ " قَالَ الْقَاسِمُ: " فَالْتَمَسْتُهَا إِنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " رواه الحاكم في مستدركه


ب – الدعاء باسم الله القيوم عبادة :

وعَنْ أَبِي أُمَامَة أيضاً أنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" رواه الترمذي.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ( كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، وفي رواية أخري إذا حزبه أمر قَال: يَا حَيُ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ  .

الأحد، 22 يوليو 2018

قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... إعداد : محمد أبوغدير المحامي

قال الله تعالى:   {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } التحريم  : 6 . 

في هذه الآية الكريمة يهيب الله تعالى بالذين آمنوا ليؤدوا واجبهم نحو أنفسهم أهليهم  من التربية والتوجيه والتذكير، محذرا ومخوفا من النار المستعرة التى وقودها وحطبُها الناس والحجارة ، والإنسان فيها مهان ورخيص كالحجارة يقذف دون إعتبار ولا عناية ، ويتولى تعذيبهم ملائكة، غلاظ أخلاقهم وصفاتهم ، مزعجةأصواتهم ، يتعبدون بهذا التعذيب لله تعالى .
ويكون وقْع هذه الآية أشد على نفس المؤمن إذا أيقن أن الصالحين من الأمة ليسوا بمنأى عن العذاب ما لم يكونوا مصلحون ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ، من ثم فالمرء مسئول - كذلك - عن إصلاح مجتمعه ونصح الحاكم ومخاصمته إذا أساء ، وسعيه لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية. 

ولما كانت المسؤلية عظيمة وعذاب النار أعظم فلابد من حث المؤمنين على بذل الجهد في الإصلاح وعلاج التخلي عن تحمل التبعة ، وتذكيرهم بوسائل الوقاية من النار كما وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم يجب أن يشمل الموضوع العناصر الآتية :
أولا : بيان ماهية النار  وصفاتها. 
ثانياً : مسؤولية النجاة من النار . 
ثالثا سبل تحمل التبعة وعلاج التخلي عنها. 
رابعا : وسائل الوقاية من النار  من الكتاب والسنة. 
 وبيان ذلك في الآتي :

أولا : بيان ماهية النار  صفاتها :

حتى نمتثل لأمر الله تعالى ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) فنتجنب الوقوع في النار يجب أن نقف على ماهية النار وصفتها، لنعلم سعة النّار وبعد قعرها وشدة حرها، ودركاتها ، وطعام أهل النار وشرابهم ولباسهم ، وصور من عذابها :

أ - سعة النّار وبعد قعرها وشدة حرها :

الّذين يدخلون النّار أعداد لا تحصى قال تعالى-: { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } ق : 30 .

وعن أنس عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد، حتى يضع فيها ربّ العزّة -تبارك وتعالى- قدمه. فتقول: قط قط، وعزتك. ويزوي بعضها إلى بعض » متفق عليه. 
وتسعر النّار يوم القيامة عندما تستقبل أهلها {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} التّكوير: 12 أي: أوقدت وأحميت، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصّلاة. فإن شدّة الحرّ من فيح جهنّم» رواه البخاري ومسلم .

ب - دركات النار :

للنار دركات منها جهنّم، ولظى  والسّعير وسقر
وبعد ذلك جحيم ثم هاوية *** تهوي بهم أبدًا في حرٍّ مستعر

1- جهنم : هي للكافرين: {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا } الكهف: 102 .

2- لظى : هم للذين لا يشكرون الله عند الرّخاء ولا يصبرون عند البلاء ويمنعون حق المال ويعرض بعضهم عن الحق فقال -عزّ وجلّ-: {كَلا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج: 15-18].

3- الحطمة : مسكن أهل الغيبة والنّميمة وأهل تجميع الأموال من غير حقها قال -عزّ وجلّ-: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } الهمزة : 1-9 .

4- السعير : مسكن المكذب بيوم القيامة.. قال -تعالى-: {وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } الفرقان: 11.

5- سقر : ذكر الله عدة أعمال توجب دخول سقر وهي أربعة: الّذي لا يصلّي، والّذي لا يتصدق، والّذي ليس له اتجاه معين، والّذي يكذب بيوم القيامة.. قال -تعالى-: {إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 39-46].

6- الجحيم : وهذه للمتكبرين.. يقول -تعالى-: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} الدّخان : 47-49 .

7- الهاوية : هي أسفل طباق النّار وهي للمنافقين.. يقول -تعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء : 145 .
واختار الله لهم هذه الطّبقة مع شدة عذابها؛ لأنهم كانوا يخدعون الله وأهل الإيمان.

ج - طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم

1. طعام أهل النّار الضّريع والزّقوم والغسلين :

طعام أهل النّار الضّريع، والضّريع شوك بأرض الحجاز يقال الشّبرق ، قال -تعالى-: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} [الغاشية: 6-7]، 

وطعامهم الزّقوم وقال -تعالى-: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} الدّخان: 43-46 . 

وطعامهم الغسلين : قال تعالى: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ} الحاقة : 35-36 ، قال القرطبي : "هو عصارة أهل النّار".

وإذا أكل أهل النّار من هذا الطعام الخبيث من الضّريع والزّقوم غصوا به لقبحه وخبثه { إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} المزمل: 12-13 . 

2 - شراب أهل النار الحميم والغسّاق  والصّديد والمهل :

 الحميم وهو الماء الحار الّذي تناهى حرّه قال -تعالى-:{وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } محمّد : 15 .

 الغسّاق: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} ص: 57 . 

 الصّديد وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده { مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }إبراهيم: 16-17].

 المهل {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]. 

3 - لباس أهل النّار

أخبر الحق -سبحانه وتعالى- أنه يفصل لأهل النّار حلل من النّار كما قال -تعالى-: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ}[الحجّ: 19-20 . 

وقال -سبحانه-: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} إبراهيم: 49-50 والقرآن : هم النّحاس المذاب.

ء - صور من عذابه :

هناك العديد والكثير من الهول والعذب في نار جهنّم.. فمن ذلك، إنضاج الجلود، والصّهر، واللفح، والسحب، وتسويد الوجوه، وإحاطة النار ، واطلاع النّار على الأفئدة ، وبيان ذلك من خلال كتاب الله تعالي :

 1- إنضاج الجلود : قال الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} النساء : 56 .

2 - الصّهر : قال الله تعالى : {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} الحجّ: 19-20 .

3 - اللفح : قال الله تعالى : {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} المؤمنون : 104 ، 

4- السحب : قال الله تعالى : {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} القمر: 47-48 . 

5- تسويد الوجوه : قال الله تعالى :  {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106].

6- إحاطة النّار بالكفار : قال الله تعالى في موضع آخر : { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} الزّمر: 16. 

7- اطلاع النّار على الأفئدة : قال الله تعالى : { كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } الهمزة: 4-9 .

ثانياً : مسؤولية النجاة من النار :

المرء مسؤول عن وقاية نفسه وأهله من النار ، ولن ينجو من عذاب النار حتي يسعي لإصلاح مجتمعه وينصح الحاكم ويخاصمه إذا أساء ، ويجاهد لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، فالمسلم لينجو من النار لابد أن يكون صالحا في نفسه مصلحا لغيره ، وقد ثبت وجوب ذلك من خلال الكتاب والسنة وبيان ذلك في الآتي :

أ - مسؤولية المرء نجاة نفسه وأهله من النار :

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا  ... } التحريم : 6. 

قال الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية : معنى " قُوا " أي يقيهم ، بمعنى أن يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر  الله يأمرهم به ويساعدهم عليه فإذا رأى منهم معصية لله ردعهم عنها وزجرهم عنها» . 

وقال القرطبي في تفسيره ، قال مقاتل : ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه . 

فيجب على الرجل أن يأمر أهلَه بالمعروف، ويحثَّهم عليه، وينهاهم عن المنكر ، ويزجرَهم عنه؛ فيأمرُهم بالصلاة، والزكاة، والصيام ، وسائرِ فرائض الإسلام ، قال تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } طه:132. 
وعن إسماعيل عليه السلام قال الله تعالى : {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} مريم:55 . 

ب -  مسؤولية المرء نحو مجتمعه وأمته :

قد تصيب النار الصالحين لخطأ ارتكبوه أو جرم جنوه ، فلا ينجو من النار إلا الصالحين المصلحين ، فإذا رأى المؤمنون المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب ، فقد روى أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلم يُغيِّرُوه ُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ ) .

وقد صح الوعيد في حق من لم ينكر المنكر بحسب قدرته ، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) .

وروى البيهقي عن عُمَرَ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ قال : " كَانَ يُقَالُ : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذَّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا : اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ " .

وروى الطبراني في " الأوسط " والبيهقي عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا!! قَالَ : إِنَّ فِيهِ عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ ؟! قَالَ : اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرَ لِي سَاعَةً قَطُّ ) .
والحديث ذكره الألباني في " الضعيفة " . 

ج - الإصلاح الشامل رسالة المسلم الحق نحو نفسه ومجتمعه وأمته :

أمر الله تعالى بذلك فقال سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ؛ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) الحج : 77-78 .

وتتحقق هذه الرسالة السامية بمسؤولية ضخمة، بها يصلح المسلم نفسه ، ويأمر أهله ، ويرشد مجتمعه وينصح حاكمه ويخاصمه ، ويسعى لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ، وذلك على النحو التالي :

1. أن بصلاح نفسه ببنائها وتشييدها بأن يكون  سليم العقيده ، صحيح العباده ، مجاهدا لنفسه ، حريصا على وقته ، منظما في شؤونه ، نافعا لغيره ، قوي الجسم ، متين الخلق ، مثقف الفكر ، قادرا على الكسب . 

2 . وأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية ، وحسن اختيار الزوجة ، وتوقيفها على حقها واجبها ، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام . 

3 . وأن يرشد مجتمعه بنشر دعوة الخير فيه ، ومحاربة الرذائل والمنكرات ، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف ، والمبادرة إلى فعل الخير ، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما ً.
4 . وأن يسعى لصلاح حكومته حتى تكون إسلامية بحق ، منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه. ومن صفاتها: الشفقة على الرعية، والعدالة بين الناس ، والعفة عن المال العام، ومن واجباتها : صيانة الأمن، وإنفاذ القانون ، ونشر التعليم، وتنمية الثروة ، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة. ومن حقها –متى أدت واجبها الولاء والطاعة، فإذا قصرت، فالنصح والإرشاد ثم الخلع والإبعاد فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . 

 5- ولا تكتمل مهمته في الإصلاح حتى يعيد الكيان الدولي للأمة الإسلامية ، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها ، فتتحقق الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة ، وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعها، كما قال تعالى (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) الأنفال : 39 . 

ثالثا : سبل تحمل التبعة وعلاج التخلي عنها :

المسؤلية على النحو السالف بيانه عظيمة وثقيلة ينوء بحملها أفراد أو جماعات فهي رسالة الأمة كلها ، قال تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون َ) آل عمران : 104 وعلى علماء الأمة في سبيل الدعوة إلى تحمل التبعة وعلاج التخلي عنها أن تقوم بالآتي :

1 - التبصير بالمسؤوليات والتعريف بالتكاليف: فيعرف المرء ما يجب عليه؛ لأنه لا يمكنه القيام بما يجب عليه إذا جهله، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: « كف عليك هذا: وأخذ بلسان نفسه، قال: فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال : "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم» الترمذي . 

2 - الحث  على تحمل المسؤوليات : فإن ذلك يؤدي إلى علو الهمة ويرفع الإحباط ولذا فهو نهج تربوي قويم في تحمل المسؤوليات . 

3 - مواجهة الغزو الفكري وبيان تفوق الإسلام الحضاري، وملاءمة تعاليمه السمحة لفطرة الإنسان، وفضح الواقع المرير الذي يعيشه غير المسلمين من انحلال وتفكك، وهو ما يحاولون جهدهم جر المسلمين إلى مستنقع .

4 - العناية ببرامج التزكية التي تدفع إلى تحمل التكاليف الشرعية بانشراح صدر وقبول ورغبة وبيان الثواب الجزيل الذي ينتظر الملتزم القائم بمسؤولياته الشرعية في الدنيا والآخرة .

5 - المراقبة والمحاسبة لمن يتخلى عن مسؤولياته ويقصر فيما يجب عليه تجاه المجتمع والضرب على أيدي العابثين بالوظائف العامة .

6 - تقدير من يقومون بالمهام والمسؤوليات والتنويه بدورهم وتقديم الجزاء الأوفى الذي يستحقونه .

7 - تعويد الأطفال منذ الصغر تحمل المسؤولية والقيام بمهامهم الصغيرة التي تتناسب مع أعمارهم وتبغيض الاتكالية إليهم فإنها داء خطير .

8 - بث روح التفاؤل وإشاعة الأمل وأن المستقبل لهذا الدين وما علينا إلا أن نسعى لخير أمتنا بالقيام بمهامنا فيتحقق لنا النصر المنشود .

9 - إبراز النماذج المعاصرة التي تخطت العقبات وقامت برغم العوائق بالمسؤوليات فسعدت ونجحت وصارت مثلا يحتذى وقدوة تحتسى ، فإن للأمثلة العملية تأثيرًا كبيرًا على النفوس.

10 - ترسيخ مفهوم السعادة في القيام بالمهام والنهوض بالمسؤوليات ليقدم المقدم على المسؤولية إقدام المتشوق الذي يطلب فيها السعادة والراحة .

رابعا : وسائل الوقاية من النار  :

وسائل الوقاية من النار وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة بكثرة نذكر منها : الإخلاص ، وإدراك تكبيرة الإحرام ، والمحافظة على صلاتي الفجر والعصر ، والمحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وبعده ، والبكاء من خشية الله ، والخطوات في سبيل الله ، وسماحة الأخلاق ، وإحسان تربية الأبناء ، والحفاظ على أذكار الصباح والمساء ، والذب عن عرض ، والإلحاح وكثرة الدعاء بذكر معين . 

1. الإيمان والإخلاص  :

فعن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لمعاذ رضي الله عنه : (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) رواه البخاري ومسلم. 
  وحين يثبت العمل الصالح ويفتقر صاحبه الإخلاص فيرجو به غير الله، فهو أول من تصعر به جهنم ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : «إن أول النّاس يقضى يوم القيامة عليه، رجلٌ استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال : كذبت. ولكنّك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلّم العلم وعلمه وقرأ القرآن ، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال : تعلّمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنّك تعلّمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال : كذبت. ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل  ثم أمر به فسحب على وجهه. ثم ألقي في النّار» رواه مسلم 1905.

2. إصلاح الصلاة بإدراك تكبيرة الإحرام :

قال  صلى الله عليه وسلم : ( من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار و براءة من
 النفاق) رواه الترمذي . 
وهذا مشروع إيماني ينبغي أن تفرغ له المرء ، إنها مائتا   صلاة ، فاعتبرها مائتي خطوة إلى الجنة ، فهل لا تستحق سلعة الله الغالية أنْ تتفرغ لها ؟ 

3. المحافظة على صلاتي الفجر والعصر :

قال  صلى الله عليه وسلم  : ( لن يلج النار أحد صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني الفجر والعصر)  رواه مسلم . 
وهذا بأن تصلى في أول الوقت ، ويحافظ على أداء السنة قبلها . 

4 . المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وبعده :

روى النسائي والترمذي عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ ).
ولفظ الترمذي : ( مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ). والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي .

5 . البكاء من خشية الله تعالى :

روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»، فقوله: «لاَ يَلِجُ»: أي لا يدخل، «حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ»: كناية عن استحالة ذلك.
فنعوذ بالله من عين لا تدمع من خشيته ، ونسأله عينًا بالعبرات مدرارة ، وقلبًا خاشعًا مخبتًا .
6 . المشي خطوات في سبيل الله  :

عن يزيد بن أبي مريم  رضي الله عنه  قال : لحقني عباية بن رفاعة بن رافع رضي الله عنه وأنا أمشي إلى الجمعة فقال أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله سمعت أبا عبس يقول قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ( من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار ) رواه الترمذي . 

7 . سماحة الأخلاق :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ" رواه الترمذي . 
 8. إحسان تربية البنات أو الأخوات :

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله علي وسلم ـ: ( ليسَ أَحَدٌ من أمتي يعولُ ثلاثَ بنات، أو ثلاثَ أخوات، فيُحْسِنَ إليهنَّ إلا كُنَّ لهُ سِترًا من النارِ ) رواه الطبراني . 

9. الوصية بهذه الذكر في أذكار الصباح والمساء  :

روى الطبراني والحاكم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال : اللهم إني أُشْهِدك وأشهد ملائكتك وحَملة عرشك ، وأُشْهِد من في السماوات ومَن في الأرض أنك أنت الله لا إله إلاَّ أنت وحدك لا شريك لك ، وأشْهَد أن محمدًا عبدك ورسولك ؛ مَن قالها مَرَّة أعْتَق الله ثُلثه مِن النار ، ومن قالها مرتين أعتق الله ثلثيه مِن النار ، ومن قالها ثلاثا أعتق الله كله من النار . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخَرِّجَاه . وصححه الألباني . 

 10. الذب عن عرض أخيك المسلم :

روى أحمد والترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْض أَخِيهِ رَدَّ اللَّه عَنْ وَجْههِ النَّارَ يَوْم الْقِيَامَة

11. الإلحاح وكثرة الدعاء بذلك :

عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار" ، رواه الترمذي وابن ماجه .