الأحد، 13 أبريل 2014

المبشرات بانتصار الإسلام الدكتور يوسف القرضاوي


تلخيص كتاب  ( المبشرات بانتصار الإسلام ) الدكتور يوسف القرضاوي

من اللازم أن نتحدث عن  مبشرات انتصار الإسلام ونشيعها بين المسلمين ؛ حتى نبعث الأمل المحرك للعزائم ، ونهزم اليأس القاتل للنفوس ، وهذه المبشرات كثيرة، والحمد لله ، بعضها مبشرات نقلية من القرآن الكريم ومن السنة النبوية ، وبعضها من التاريخ، وبعضها من الواقع ، وبعضها من سنن الله في الخلق ، وسنتحدث عن كل واحدة من هذه المبشرات في الصحائف التالية بما يفتح الله به .

ولا - المبشرات من القرآن الكريم :

جاء في القرآن الكريم الهادي والصراط المستقيم كثير من المبشرات بانتصار هذا الدين، وهي كما يلي:

1 - وعد الله بنصرة الإسلام:

في القرآن مما وعد به الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بنصرة الإسلام، وإتمام نوره ولو كره الكافرون، وإظهاره على كل الأديان ولو كره المشركون.

جاء في سورة التوبة قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ } .

يقول العلامة ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين: "يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب: { أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ } أي ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، فكذلك ما أرسل به رسول الله لابد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما راموه وأرادوه: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ } ، والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ثم قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ } ، فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح، والعلم النافع، ودين الحق هو: الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } أي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها" .

2 - وعد الله أمة محمد بالنصر والتمكين :

من المبشرات القرآنية قوله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } .

يقول ابن كثير : "هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن عض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عُمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه.

ثم لما مات سول الله واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خلفيته أبو بكر لصديق رضي الله عنه فبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس ، فتحوا طرفاً منها، وجيشاً إلى أرض الشام ، وثالثاً إلى بلاد مصر وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة ، ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً ، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته، وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَر كسرى، وأهانـه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزاع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكي صلاة.

وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وجبي الخراج من المشارق والمغارب.

وهذا الوعد الإلهي للمؤمنين وعد دائم ومستمر، وما تحقق في عهد الخلفاء الراشداين من نصر وتمكين يمكن أن يتحقق لمن بعدهم، فإن وعد الله تعالى لايتخلف، قال تعالى: { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } ، ووعد الله هنا مشروط بالإيمان وعمل الصالحات وعبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، قال تعالى: { يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } .

3 - قصص الرسل وعاقبة المؤمنين والمكذبين:

ومن المبشرات القرآنية ما قصه علينا القرآن من قصص الرسل والمؤمنين وأقوامهم ، ومخالفيهم من المشركين ، وكيف كانت العاقبة للرسول والذين آمنوا معه ، وكان الهلاك والدمار للذين تمردوا على الله وكذبوا المرسلين.

4 - وعد الله بنصر المؤمنين وإنجائهم والدِّفَاع عنهم:

ومن المبشرات القرآنية: وعد الله المؤمنين بالنصر والنجاة والدفاع والولاية والمعية.

على وجه العموم. إقرأ قوله تعالى: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } . { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ } . { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } .

5 - وعد الله بإحباط كيد الكافرين ومؤامراتهم:

ومن المبشرات القرآنية: وعده سبحانه بإحباط كيد الكافرين، ومكرهم بالإسلام وأهله، وجهودهم الدائبة لإطفاء نوره؛ وأنه تعالى سيرد كيدهم في نحورهم، ويعيد سهامهم المسمومة إلى صدورهم. وهو جل شأنه لا يخلف الميعاد.

من ذلك قوله تعالى: {ِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } .

6 - فسوف يأتي الله بقوم يحبهم:

ومن المبشرات القرآنية: ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة ، مهدداً المرتدين المارقين من الدين، بأنهم لن يضروا الله شيئاً، ولن ينهدم الدين بارتدادهم عنه، فقد تكفل سبحانه بأنه يدخر لهذا الدين جيلاً من المؤمنين الأقوياء يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }.

7 - سنريهم أياتنا:

ومن المبشرات القرآنية قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ } .وهذا وعد من الله تعالى، يبرز منه في كل زمـن ما نشهده بأعيننا، وما نسمعه بآذاننا، وما نحسه بقلوبنا.

ومن جملة ذلك: ما نراه في عصرنا من دراسات أهل العلم الطبيعي والرياضي، لبيان أوجه جديدة للإعجاز العلمي في القرآن الكريم وبعض هذه الدراسات نظرات جيدة وعميقة اعترف بها عدد من غير المسلمين.

ثانياً - المبشرات من السنة النبوية :

وفي السنة النبوية والسيرة النبوية: مبشرات كثيرة وفيرة ولكن المسلمين في عصور التراجع والتخلف أغفلوها ونسوها، ولم يذكروا إلا أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وكل هذه المبشرات إخبار بمستقبل الإسلام ، وأن الغد له ولأمته، أخبر بها من لا ينطق عن الهوى. وسنذكر أهم هذه المبشرات :

1 - انتشار الإسلام في العالم كله:

من هذه المبشرات : ما رواه تميم الداري قال: سمعت رسول الله يقول: "ليبلغن هذا الأمر ( يعني أمر الإسلام ) ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر" .

ومعنى بلوغه ما بلغ الليل والنهار: انتشاره في الأرض كلها، حيث يبلغ الليل والنهار، ودخول هذا الدين الحواضر والبوادي ، فالحواضر هي التي بيوتها من مدر (أي من حجر)، والبوادي هي التي بيوتها من وبر وشعر، وسيدخل الإسلام جميعها، وبهذا يتحقق وعد الله تعالى في كتابه : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } وذلك في ثلاث آيات : في التوبة: 33، وفي الفتح: 82، وفي الصف: 9.

ومعنى ظهوره على الدين كله، غلبته على جميع الأديان ، ولا زلنا ننتظر هذه البشارة، ولن يخلف الله وعده.

وأكد هذه البشارة: ما رواه المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله يقول: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز، أو بذل ذليل.." الحديث.

2 - دعوة الإسلام إلى أوروبا وفتح رومية:

ومن هذه المبشرات ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي قبيل قال:  كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل: أيْ المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله نكتب إذ سئل رسول الله : أي المدينتين تفتح أولاً: قسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تفتح أولاً" .

ورومية هي: روما عاصمة إيطاليا الآن، والقسطنطنية هي: استانبول الآن، يفهم من السؤال أن الصحابة كانوا قد علموا قبل ذلك أن الإسلام سيفتح المدينتين، ويدخل أهلهما في دين الله، ولكن يريدون أن يعرفوا: أيّ المدينتين تسبق الأخرى، فأجابهم أن مدينة هرقل - وهي القسطنطنية - ستفتح أولاً.

وقد تحقق ذلك على يد الفتى العثماني الطموح (محمد بن مراد) ابن الثالثة والعشرين ، والذي عرف في التاريخ باسم (محمد الفاتح)، وفتحت (مدينة هرقل) في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي، وبالتحديد: في يوم الثلاثاء 20 من جمادى الأولى سنة 857 - 29 أيار (مايو) سنة 1453. وبقي الجزء الثاني من البشرى: فتح رومية، وبه يدخل الإسلام أوروبا مرة أخرى بعد أن خرج منها مرتين: مرة من الأندلس، ومرة من البلقان.

3 - اتساع دولة الإسلام في المشارق والمغارب:

ومن هذه المبشرات ما رواه مسلم وغيره عن ثوبان قال: قال رسول الله : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها،وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض.." الحديث .

ومعنى (زوى لي الأرض): أي قبضها، وضمها وجمعها له عليه الصلاة والسلام حتى يراها جملة واحدة.

وهذا الحديث يبشر باتساع دولة الإسلام حتى تشمل المشارق والمغارب، أي: الأرض كلها، فإذا كان حديث تميم الداري، وحديث المقداد السابقان يؤذنان بانتشار دعوة الإسلام، وعلو كلمة الإسلام، فهذا الحديث يبشر بقوة دولة الإسلام واتساعها، بحيث تضم المشارق والمغارب، التي رآها النبي ، وبهذا تلتقي قوة الدعوة، وقوة الدولة، وبعبارة أخرى: قوة القرآن وقوة السلطان، وفي هذا من الخير ما فيه.

4 - الرخاء والأمن وفيض المال:

ومن هذه المبشرات: ما رواه أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: "لاتقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً" وزاد أحمد في روايته: "حتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق".

ومنها: ما رواه أبو هريرة أيضاً عن رسول الله قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يُهم ربَّ المال من يقبل منه صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي" .

يؤكده حديث أبي موسى مرفوعاً "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب! ثم لا يجد أحداً يأخذها منه" .

وهذا كله دليل على ظهور الرخاء ورغد العيش، وزوال الفقر من المجتمع، بحيث لا يوجد فيه فقير يستحق الصدقة أو يقبلها. وهذا من بركات عدل الإسلام، وأثر الإيمان والتقوى في حياة الناس، كما قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} .

5 - عودة الخلافة على منهاج النبوة:

ومن هذه المبشرات : ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن الرسول قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جَبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت؟ .

والملك العاضّ - وفي رواية: العضوض - هو الذي يصيب الناس فيه عسف وظلم كأنه له أنياباً تعض. أما مُلْك الجَبرية فهو القائم على الجبروت والطغيان، أشبه بالحكم العسكري المستبدّ في عصرنا. فهذا الحديث يبشر بانقشاع عهود الاستبداد والظلم والطغيان، وعودة: الخلافة الراشدة، المتبعة لمنهاج النبوة في إقامة العدل والشورى، ورعاية حدود الله وحقوق العباد.

6 - الانتصار على اليهود:

ومن هذه المبشرات: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: "تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر: يامسلم، هذا يهودي ورائي،فاقتله" .

فهل ينطق الحجر والشجر بلسان المقال آية من آيات الله، وما ذلك على الله بعزيز أوينطقان بلسان الحال؟ بمعنى أن كل شيء يدُل على اليهود، يكشف عنهم.

وأياّ كان المراد، فالمعنى أن كل شيء سيكون في صالح المسلمين، وضد أعدائهم اليهود، وأن النصر آتٍ لا ريب فيه، وأن أسطورة (القوة التي لا تقهر) التي يشيعها اليهود لن تستمر، وأن الذين اغتصبوا فلسطين بقوة السلاح، وسلاح القوة، سيخذلهم الله، الذي يملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذاً أليماً شديداً، ولن تغني عنهم ترسانتهم النووية التي يُدِلون بها، كما لم تغن حصون أسلافهم من بني النضير عنهم شيئاً، حين جاءهم بأس الله الذي لايُرد عن القوم المجرمين، كما قال تعالى في شأنهم:{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ } .

7 - بقاء الطائفة المنصورة:

ومن هذه المبشرات: ما رواه عدد من الصحابة رضي الله عنهم، مثلما رواه معاوية عنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس" .

ومعنى هذا الحديث: أن الخير سيستمر في هذه الأمة، وأنها لا تخلو من قائم لله بالحجة، ومن ناصر للحق، مستمسك به، حتى تقوم الساعة، وأن هذه الطائفة المنصورة باقية حتى يأتي أمر الله، وإن أصابها ما أصابها من لأواء وأذى.

يؤكد هذا ما رواه أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله : "إن الله أجاركم من ثلاث خلال: ألاّ يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة" .

8- ظهور المجددين في كل قرن:

ومن هذه المبشرات: ما رواه أبو هريرة عن رسول الله قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها" .

وكلمة (من) في الحديث تشمل (المفرد) كما قالوا عن عمر بن عبدالعزيز والشافعي والغزالي، كما تشمل الجمع، كما ذهب إليه بعض الشراح، فقد يكون المجدد جماعة دعوية أو تربوية أو جهادية، وهنا يكون سؤال المسلم: ما دوري في حركة التجديد؟ بدل أن يكون كل همه انتظار ظهور المجدد، وهو لا حول له ولا قوة !

ثالثاً - مبشرات من التاريخ :

وحسبنا من مبشرات التاريخ عامة وتاريخنا خاصة الذي يبدأ بسيرة النبي حقيقتان كبيرتان في غاية الأهمية في موضوعنا الذي نبحث .

الحقيقة الأولي: أن النصر لا يأتي من عند الله إلا عندما يكون الناس أحوج شيء إليه، وعندما يبرأ الناس من حولهم وقوتهم، ويلوذون بحول الله تعالى وقوته، وعندما تغلق الأبواب في وجوههم إلا بابه، وتنقطع الأسباب دونهم إلا أسبابه، هناك يدعون دعاء المضطرين، ويلجؤون إليه لجوء المفتقرين. وهو سبحانه يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يخيب من افتقر إليه ورجاه.

وقد قص علينا القرآن كيف نصر الله رسوله في هجرته إلى المدينة وبأي جند نصره. يقول تعالى: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

ورأينا ذلك النصر في يوم بدر، فقد خرجوا من بيوتهم للعير لا للنفير، فلم يكن القتال في نيتهم، وفي هذا يقول القرآن: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } .

ومع هذا كان النصر للمؤمنين، حين استغاثوا بالله فأغاثهم: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

وكان الرسول يدعو ربه في ذلك اليوم، ويلح في الدعاء يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تَهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"!! وما زال يدعو حتى سقط الرداء عن منكبيه، وأبوبكر يقول له: والله يارسول الله لينصرنك الله، وليبيضن وجهك! .

وهكذا نجد أن نصر الله تعالى يتنزل على عباده المؤمنين، حين تضيق بهم الحيل وتخذلهم أسباب الأرض، فيمدون أكفهم إلى السماء.

وهذا أمر ثابت في تاريخ الرسالات كلها، وفي تاريخ الرسل جميعاً، كما بين ذلك القرآن في قوله في أواخر سورة يوسف:{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ } .

الحقيقة الثانية: التي عرفناها من تاريخنا: هو المخزون النفسي والروحي الكبير، الذي تدخره الأُمة، ولا يبرز إلا في المحن والخطوب.

إن التاريخ يحدثنا أن في الإسلام (قوة ذاتية) مخبوءة، لا تبرز إلا عند حلول الشدائد بساحته، وإحاطة المحن بأمته.

فهناك نراه أصلب ما يكون عوداً، وأعظم ما يكون صموداً، وأشد ما يكون قوة، وأقدر ما يكون على تفجير الطاقات المكنونة لأمته، وإبراز ما خبيء قوته وقدرته، فإذا هو يقاوم فيصمد، بل يغالب فيغلب وإذا الضعف الظاهر الذي أطمع الناس قد استحال إلى قوة، بل إلى قوة قاهرة منتصرة.

أ – في فجر تاريخ الإسلام :

رأينا ذلك في فجر تاريخ الإسلام: في يوم بدر، حيث انتصرت القلة على الكثرة، والضعف المادي على القوة، وامتن الله على المؤمنين بقوله:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .

ب – في حروب الردة :

ورأينا ذلك بعد وفاة رسول الله ، وقد ارتدت قبائل العرب - فيما عدا المدينة ومكة والطائف - وظهر أدعياء النبوة وانضم إليهم مانعوا الزكاة، الذين أقروا بالصلاة ولم يقروا بالزكاة، وكانت فتنة عارمة، ومحنة قاسية، جعلت بعض الصحابة يقول لأبي بكر رضي الله عنه : يا خليفة رسول الله؛ لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً، إلزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك، حتى يأتيك اليقين!!

ولكن أبا بكر الرجل الرقيق البكاء أبى أن يستسلم، وثبت كالطود، وزأر كالليث، وجهز أحد عشر جيشاً لحرب المرتدين ومانعي الزكاة، ولما ناقشه عمر في مقاتلة مانعي الزكاة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله) فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" . وهنا قال له أبو بكر رضي الله عنه في يقين وقوة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة: فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً (عنزة صغيرة) - وفي رواية: عقالاً - كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.

وقامت معارك بين الصحابة على قلّتهم وبين المرتدين ومانعي الزكاة على كثرتهم انتهت بانتصار المؤمنين على المارقين الذين رجعوا إلى حظيرة الإسلام تائبين مستغفرين، وعادت جزيرة العرب حصناً ومعقلاً للإسلام، على امتداد القرون.

ج – في الحروب الصليبية :

وظهرت القوة الكامنة في الإسلام مرة أخرى، حين زحف عليه الغرب النصراني بقضه وقضيضه، وثالوثه وصليبه، في تسع حملات شهيرة عرفت باسم الحملات الصليبية.

ساعده على ذلك غفلة المسلمين، وغرق حكامهم في الشهوات فلا غرو أن ينتصر الصليبيون في أول الأمر، وأن يقيموا ممالك وإمارات في ديار الإسلام، بالتعاون مع الخونة من الأمراء، وأن يدخلوا بيت المقدس، بعد مذبحة قتل فيها عشرات الألوف، وجرت الدماء للركب. وبقي الصليبيون في الشام نحو مائتي عام، وبقي بيت المقدس في أيديهم تسعين سنة كاملة.

ثم هيأ الله للإسلام رجالاً صمموا على أن يقاوموا العدوان، وأن يستردوا الأرض المغتصبة، ويستعيدوا الحق السليب، فكان عماد الدين زنكي، وابنه البطل نور الدين محمود الشهيد، والقائد المظفر صلاح الدين الأيوبي، الذي كتب الله له النصر على الصليبيين في معركة (حطين) الشهيرة.

وكان هذا دليل على أن الأمة الإسلامية قد تنام، وقد تمرض، ولكنها لاتموت، مادام يجري في عروق أبنائها دم العقيدة، وما دام فيها من يقودها بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).

د - في حروب التتار:

وكما تعرض الإسلام للغزو من الغرب على أيد الصليبيين الأوروبيين النصارى تعرض للغزو من الشرق على أيدي التتار الوثنيين. الذين هجموا على بلاد الإسلام كالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.

زحفوا على عاصمة الخلافة العباسية بغداد دار السلام، وأرقى بلاد الإسلام، فسقطت تحت ضرباتهم وبمعونة من خان ممن ينتسبون إلى الإسلام، وسالت الدماء أنهاراً، واسود نهر دجلة من كثرة ما ألقي فيه من كتب الحضارة، التي سال مدادها، حتى أحالت ماء النهر أسود حالكاً.

ولم تكد تمضي سنوات، حتى تحققت معجزة الإسلام مرتين؛ انتصر الإسلام على التتار عسكرياً، في معركة (عين جالوت) بقيادة القائد المملوكي الصالح سيف الدين قطز.

وانتصر الإسلام مرة أخرى معنوياً، فإذا هؤلاء الجبابرة الذين غزوا الإسلام يغزوهم الإسلام، وإذا سيف الغازي المصلت يسقط أمام تأثير العقيدة الإسلامية العزلاء، وإذا الغالبون يدخلون أخيراً في دين المغلوبين!! على خلاف ما هو معروف ومألوف، وهو ما قرره ابن خلدون أن المغلوب هو المولع دائماً بتقليد الغالب المنصور..

هـ - حروب التحرير في العصر الحديث :

وفي العصر الحديث، رأينا الجهاد البطولي، ضد الغزاة المستعمرين، في سائر ديار الإسلام: جهاد الأمير عبدالقادر الجزائري ضد الفرنسيين في الجزائر، والأمير عبدالكريم الخطابي ضد الأسبان في المغرب، والبطل عمر المختار ضد الطليان في ليبيا، والشيخ عز الدين القسام ضد الإنجليز واليهود في فلسطين، مروراً بثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومعارك فلسطين ضد الصهاينة، والقناة ضد الإنجليز.

كما اعترف المؤرخون الغربيون أنفسهم - أمثال برنارد لويس في كتابه (الغرب والشرق الأوسط) - أن الحركات الدينية كانت هي قائدة معارك التحرير في سائر البلاد الإسلامية ضد الاستعمار، حتي حركة كمال أتاتورك نفسها، ولكن المؤسف أن الإسلاميين يزرعون والعلمانيين هم الذين يحصدون، إنهم لصوصمدربون على سرقة ثمار الجهاد وثورات المجاهدين!

رابعاً - مبشرات من الواقع :

ومن قارن بين حال الأمة منذ قرن مضى، وحالها اليوم، بل من استقرأ حالها منذ خمسين سنة، أوثلاثين سنة، وتأمل حالها في هذين العقدين من الزمان، سيجد أن أوضاعها تغيرت - إلى حد كبير - إلى ما هو أحسن وأمثل. وهذا أمر يلاحظه ويشهد به كل مراقب يقظ للأحداث، في كل جانب من جوانب الحياة، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات، الفكرية والأخلاقية والسلوكية.

1 – الإقبال على الإسلام والالتزام به بين المسلمين :

وتكفي شهادة رجل غربي مثقف، اهتدى إلى الإسلام عن بصيرة، وآمن به عن بيّـنه، وهو الدكتور: مراد هوفمان.

يقول هوفمان في كتابه "الإسلام عام 2000" وفي فصله الثاني تحت عنوان (قليل من التفاؤل): يجب على المرء أن يعرف كيف كانت الحال بمكة والمدينة في القرن السابق، ليتعرف على التقدم الحادث. لدينا أوصاف يُعتمد عليها من الحجاج الغربيين أمثال: المسلم السويسري بروكارت الذي عاش في مكة والمدينة ستة أشهر في 1814/1815، وقد أيد رواية بروكارت كل من المسلم البريطاني سير ريتشارد بيروتون الذي زار مكة والمدينة في 1853 ، والألماني غير المسلم هيترش فون مالتزان الذي عاش في مكة في 1860 . اتفق المؤلفون الثلاثة على تدهور حالة الأماكن المقدسة، وانعدام الأمن، وانتشار الخرافات.

ولم تقم الصلاة بانتظام، حتي بين الحجاج، الذي هبط عددهم إلى 70.000 عام 1814 (حسب تقدير بروكات) ثم إلى 30.000عام 1860 (حسب تقدير مالتزان).

أما من يحج أو يعتمر اليوم، يجد التقدم هائلاً عن حالة القرن الماضي، فقد تم توسيع الحرم المكي والحرم المدني بجمال واقتدار ليسعا 480.000 , 650.000حاج، وما زالا صغيرين أمام الزيادة الهائلة لمن يريدون الج، والذين يحجون الآن طبقاً لحصص محددة لكل دولة لا تتعداها، مُنعت الكحوليات، السرقات قليلة، النساء لا يدخلن البلاد منفردات، والصلاة على مدار الساعة أمام أنظار العالم.

اختلف موقف المستشرقين من الإسلام، منذ عشرينات القرن الحالي، وكان ذلك بداية لتغييرات أخرى إيجابية، فلم تعد دراسة الإسلام على طريقة لورنس العرب لصالح الإمبريالية البريطانية، بل كثير من زملائهم المستشرقين، تحلوا في دراستهم للإسلام بروح التعاطف والاعتناق بدلاً من الاشمئزاز والضيق.

والخلاصة؛ أن ذلك التطوير، نُظر إليه كتهديد أصولي، مما جعل الإسلام يحتل القمة في ما يشغل الإعلام العالمي في الربع الأخير من القرن العشرين .

2 - استمرار حركة الإحياء والتجديد:

إن من خصائص الإسلام: أن حركة الإحياء والتجديد فيه من الداخل مستمرة، ولا تنقطع حتى تقوم الساعة، بوساطة (الورثـة الحقيقيين) لعلم النبوة، الذين يقدمونه للناس خالصاً غير مشوب، متكاملاً غير مجزأ، بيّناً غير غامض (ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).

أنشأت بفضل الله تعالى وتوفيقه، صحوة إسلامية كبرى، في سائر ديار العرب والإسلام، بل حتى خارج ديار الإسلام، حيث الأقليات والجاليات الإسلامية في الغرب والشرق، صحوة أيقظت العقول والقلوب، والعزائم، وأعادت للناس الثقة بالإسلام، والأمل في انتصاره بعد أن ظن من ظن أن راية الإسلام قد سقطت.

3 - الصحوة الإسلامية وآثارها في الحياة الإسلامية:

لا يستطيع عاقل منصف أن ينكر أثر (الصحوة الإسلامية) في حياتنا المعاصرة، تلك الصحوة التي شرقت وغربت، وأضاءت بنورها ديار الإسلام، ثم ذهبت إلى حين يوجد المسلمون خارج أوطان الإسلام، بين الأقليات الكبيرة والصغيرة، والجاليات المنتشرة في أنحاء العالم، وهدى الله بها ملايين الشبان والشابات.

أثبتت هذه الصحوة وجودها على الصعيد الفكري بما احتوته (المكتبة الإسلامية) المعاصرة من شتى الدراسات في الجوانب المتعددة.

وأثبتت الصحوة وجودها على الصعيد السلوكي، فامتلأت المساجد بالمصلين والمصليات، وخصوصاً من الشباب، وازدحمت بهم كذلك مواسم الحج والعمرة، وعادت المرأة المتبرجة إلى الحجاب طوعاً.

وأثبتت الصحوة وجودها على الصعيد السياسي، فأصبـح هناك تيار شعبي هائل، ينادي بالعودة إلى إلإسلام، وتطبيق شريعة الإسلام.

وأثبتت الصحوة وجودها على الصعيد الجهادي، فانتصرت في أفغانستان وفي الشيشان على الاتحاد السوفيتي ، وفي البوسنة والهرسك على الوحش الصربي، وزلزلت الانتفاضة وأشبالها، والمقاومة الإسلامية ورجالها الكيان الصهيوني: الدولة التي لا تقهر، والشوكة التي لا تكسر!

هذه الظواهر وغيرها حركت غرائز الشر في القوى المعادية للإسلام وأمته وصحوته، فاجتمعت على الكيد له، والمكر به، والتربص بصحوته، وقد قال إسحاق رابين في مؤتمر الدار البيضاء: إن أعداءنا الكونيين ثلاثة: الأصولية، والجوع، والمخدرات! والحقيقة أنه ذكر الجوع، والمخدرات للتغطية وذر الرماد في العيون، وإنما قصده الأساسي: الأصولية، وإن شئت الترجمة الحقيقية لها فهي (الصحوة الإسلامية)!

4 - التيار الإسلامي أقوى وأرجح في الميزان:

إن القوى التي تملكها أمتنا الإسلامية ليست بالهينة ولا اليسيرة، إذا أحسنت توظيفها والاستفادة منها، فهي في الحق قوى كبيرة وهائلة.

أ - القوى البشرية: أولى هذه القوة: القوة البشرية العددية، فأمتنا تملك اليوم من البشر ما يزيد على المليار والربع من المسلمين المؤمنين بعقيدة التوحيد، منتشرين في قارات العالم الست.
ب - القوة المادية والاقتصادية: وثانية هذه القوى: القوى المادية والاقتصادية، فأمتنا تملك من المعادن والثروات المذخورة في باطن الأرض، والثروات المنشورة على ظاهرها، والثروات المائية والبحرية، ما لا تملكه أمة أخرى.

وموقعنا الجغرافي كذلك له قيمة كبيرة: استراتيجية وحضارية، فهو ملتقى القارات ومنبع الحضارات، ومهبط الرسالات السماوية الكبرى: اليهودية والنصرانية - المنسوختان - والإسلام.

ج - القوة الروحية: وثالثة هذه القوى التي تملكها أمتنا: القوة الروحية، قوة الرسالة التي تؤمن بها، وتدعو بها، وتدعو إليها، وتحيا لها وتموت عليها: رسالة الإسلام العامة الخالدة، والتي ختم الله بها النبوات والرسالات.

5 - تحذيرات الأجانب من القوة المذخورة في الإسلام وأمته:

إننا نحن المسلمين قد نجهل القوى المذخورة لدينا، ولكن الأجانب الدارسين لطبيعة أمتنا، ومذخور الطاقات في شعوبنا، هم الذين يدركون حقيقة ما نملك من قوة ذاتية، يحسبون لها ألف حساب، بل يساورهم وَهْمٌ مُفـزع من خشية انطلاقها يوماً من الأيام، يقول البروفسور "جب" في كتابه: "وجهة الإسلام": (إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بسرعة مذهلة تدعو إلى الدهشة، فهي تنفجر انفجاراً مفاجئاً قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعو إلى الاسترابة في أمرها، إن الحركات الإسلامية لا ينقصها إلا الزعامة، لا ينقصها إلا صلاح الدين من جديد).

خامساً - مبشرات من السنن الإلهية :

وهناك مبشرات أخرى مستمدة من سنن الله في الخلق وفي الاجتماع الإنساني، وهي سنن وقوانين ثابتة تجري على الاخرين، كما جرت على الأولين، وتجري على المسلمين كما تجري على المشركين، لا تتخلف ولا تتبدل، كما قال سبحانه:{ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } .
فإذا نظرنا إلى هذه السنن الإلهية وجدنا مجموعة منها في صفنا نحن المسلمين، ودعاة الإسلام، من ذلك:

1 - سُنة التدوال:

وشاءت إرادة الله أن سنة التدوال أو قانون المداولة بين الناس يعمل معنا لا ضدنا، وكما قال الإمام حسن البنا رحمه الله : إن الدور لنا لا علينا!

فقد كانت قيادة العالم قديماً في يد الشرق، على أيدي الحضارات الفرعونية والآشورية والبابلية والكلدانية والفينيقية، والفارسية والهندية والصينية. ثم انتقلت إلى الغرب، على يد الحضارة اليونانية ذات الفلسفة الشهيرة، والرومانية ذات التشريع المعروف، ثم انتقلت هذه القيادة مرة أخرى إلى الشرق على يد الحضارة العربية الإسلامية، وهي حضارة متميزة جمعت بين العلم والإيمان، بين الرقي المادي والسمو الروحي، ثم غفا الشرق وغفل عن رسالته. فأخذ الغرب الزمام، وكانت له القيادة مرة أخرى، ولكنه لم يرع أمانة هذه القيادة، بل أفلس في ميدان الروح والأخلاق، وفرط في العدل، وأعلى القوة على الحق والمصالح على القيم، والمادة على الروح، والجماد على الإنسان، وكال بمكيالين في التعامل مع القضايا البشرية، فكان من سنة الله أن تنتقل الشعلة إلى غيره. وحسب استقراء التاريخ: فإنها سوف تعود إلى الشرق مرة أخرى الشرق الذي يملك رسالة غير رسالة الغرب، وهو الشرق الإسلامي، فعليه أن يتهيأ لذلك، ويعد العدة، كما قال تعالى: { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } .

2 - سنة التغيير:

ومن السنن الإلهية التي نجدها في صف المسلمين، ونعدها من المبشرات: [سنة التغيير] التي قررها القرآن الكريم في أكثر من آية. فالذين يتغيرون من الخير إلى الشر، ومن الاستقامة إلى الانحراف، من الصلاح إلى الفساد، ومن البصيرة إلى العمى، يغير الله ما بهم من حال النعمة إلى النقمة، ومن القوة إلى الضعف، ومن العزة إلى الذل، ومن الرخاء إلى الشدة.

وهذه السنة تمنحنا نحن المسلمين الأمل في التغيير وتحسين الأحوال، فقد رأينا الكثير من المسلمين في عصر الصحوة الإسلامية، يتغيرون تغيراً جذرياً من الإعراض عن الإسلام إلى الإقبال عليه، من الجهل بأحكامه، إلى الحرص على التفقه فيه، من التسيب والشرود عن تعاليمه إلى الالتزام بها، من انشغال الفرد بخاصة نفسه وعدم اهتمامه بأمر أمته إلى حمل هموم الأمة، والمشاركة في قضاياها بإخلاص وإيجابية، من الجري وراء اللذات واتباع الشهوات إلى إحياء الدعوة وتبني الجهاد للدفاع عن الدين وحرماته، من التكشف والتعري عند النساء إلى الالتزام بالحجاب، من البعد عن المساجد إلى عمارتها بالصلوات والدروس.

وكل هذه الأعمال والآثار تشعرنا أن الأمة قد تغيرت إلى حد كبير، ومقتضى عدل الله تعالى وسنته ألا يتخلى عنها، وأن يكافئها على هذا التغير النفسي والسلوكي العميق بأن يغير ما بها، ويحولها إلى حال أفضل.

سادسا - المبشرات تدفع إلى المزيد من العمل :
والأمر الذي يجب التنبيه عليه هو: أن المبشرات بمستقبل الإسلام، التي ذكرت، لا ينبغي لنا أن نتكل عليها، وننام على آذاننا، ونخلد إلى الدعة والكسل، وننتظر نصر الله ينزل علينا دون جهد نبذله، وجهاد نمارسه، وعمل دؤوب نقوم به في جوانب حياتنا كلها، نقوّم ما اعوج منها، ونصلح ما فسد، ونبني ما تهدم، نقوّي ما ضعف، ونكمّل ما نقص، بروح المجددين، لا بعقلية المقلدين.

لقد أرشد القرآن إلى أن نصر الله لا يكون ولا يتم إلا بالمؤمنين، كما أنه لا يكون إلا للمؤمنين. كما قال تعالى يخاطب رسوله الكريم: { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} .

فلا نتوقع أن تنزل ملائكة السماء التي نزلت في بدر أو في الأحزاب أو في حنين على قوم فرغت قلوبهم من الإيمان، أو خلت حياتهم من أخلاق الإيمان، وأعمال المؤمنين، فالله تعالى يقول في بدر: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } .

إن الرسالات لا تنتصر وحدها، إنما تنتصر بأهلها، والحق لا يعلو وحده، إنما يعلو وفق سنن الله بدعاته ورجاله الذين جمعوا بين العلم، والعمل والإخلاص، كما قال الشاعر: وشيمة السيف: أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطل!


إن المبشرات بانتصار الإسلام يجب أن تمنحنا وقوداً متجدداً، لمزيد من العطاء والعمل الذي تحتاج إليه أمتنا على كل صعيد. ولا تطمع الأمة أن يمدها الله بنصره، على ما بها من سيئ الخصال، وسيئ الفعال، بل لا بد للأمة أن تغير ما بأنفسها حتى يغير الله ما بها.
يستحيل أن ينصر الله الكُسالى على العاملين، والمختلفين على المتحدين، والفوضويين على المنظمين.
يستحيل أن تنتصر أمة أعظم ما يشغلها لعب الكرة، وأهم ما يملأ صحفها المقروءة، وإذاعتها المسموعة والمرئية هو لغناء والرقص والتمثيل


المرأة في يومها العالمي : القصاص من الانقلابيين والعار على منظمات حقوق الإنسان بقلم محمد أبوغدير المحامي

‏نشرت على الفيسبوك في  7 مارس، 2014‏، الساعة ‏02:48 مساءً‏

اهل علينا اليوم العالمي لحقوق المرأة ، ولم تعد المرأة خط أحمر ، فقد تعرضت للاعتقال والاحتجاز والسب والضرب والإغتصاب والأحكام الجائرة .في ظل صمت مخز من المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ومنظمات حقوق المرأة التي تتشدق بالحريات ولم تتحرك للدفاع عنهن .
إن العنف ضد المرأة هو انتهاك للكرامة الإنسانية وخرق لكل المواثيق الدولية وإهدر لحقوق الإنسان التي ضمنتها له الكثير من الأديان السماوية والشرائع ودافع عنها الإنسان وتضمنتها كل القوانين،
فقد تعرضت المرأة المصرية سواء كانت بالغة أو قاصرة أو طالبة أو عاملة لانتهاكات جسيمة وخطيرة لحقها في سلامة جسدها وحقها في الحياة وفي حرية الرأي والتعبير بسبب موقفها الرافض لإنقلاب العسكر والمؤيد للشرعية وتقديمها نموذجا للمرأة المصرية المناهضة للتعدي على حقوق الإنسان وحرياته وانتهاك كرامته.
وتعدى العسكر على حق المرأة في الحياة فدبرت مجزرة حرائر المنصورة واستشهد فيها أربعة نساء ثم تلى ذلك استشهاء العديد منهن بمجازر اعتصام رابعة والنهضةيوم 14 أغسطس 2013 وتم اعتقال الكثيرات منهن في هذا اليوم وكذلك يوم 16 أغسطس 2013 بأحداث مسجد الفتح ورمسيس وغير ذلك من حالات القتل والاعتقال في كافة ميادين مصر .
وسلبت المرأة حرية التعبير عن الرأي افتم القبض والاعتقال لفتيات صغيرات من مدارسهن وضربهن لمجرد إبداءهم لآراءهن ورفع شعار رابعة رمزا للصمود والتحدي ، وتعرضت المرأة الى تعديات وإهانة عنصرية إذ تم استهدافها إن كان ارتدئها زيا إسلامي معين، أو كان انتمائها السياسي إسلاميا حال المعارضة للانقلاب .
وقد تم احتجاز المرأة فى ظروف غير قانونية وغير حقوقية داخل أقسام الشرطة، وقد عانين من الاعتقال والتعذيب وهن محرومات من حقوقهن الأساسية الإنسانية ومحرومات من الطعام والملابس ومقابلة المحامين، ويتم تسليط المجرمين الجنائيين ضدهن.
قد القيت الفتيات الصغيرات الحرائر في السجون دون ضمانات للقبض والتحقيق ، وتم حبسها احتياطيا لمدد طويلة دون مبرر قانوني او واقعي ، وقد تعرضن لإعتداءات وانتهاكات وصلت لحد الاغتصاب ، وقد صدر ضدهن احكام جائرة قاسية رغم انتفاء الفعل المؤثم قانونا .
ان ما ارتكبه الانقلابيون ضد المرأة من افعال - على النحو السالف بيانه - هي جرائم لا تسقط بالتقادم ، وعلى المجتمع ان يقف وقفة واحدة ضد العسكر حتى يسقطوا هذا الإنقلاب الغادر المجرم الذي اسقط الحقوق وتعدى على الحريات وهان كرامة الانسان ، وعليهم ان يثأروا لأعراضهم التي داسها العسكر بكل خسة ودناءة ،
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم" رواه الحاكم في المستدرك .

لماذا يصمد المستبدون الإنقلابيون ؟؟؟

نشرت على الفيسبوك في ‏13 ديسمبر، 2013‏، الساعة ‏09:47 صباحاً


يجيب العلامة عبد الرحمن الكواكبي في كتاب ( طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد ) فيقول :


(( العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ ، وعليهم يصول ويطول ، يأسرهم فيتهللون لشوكته ، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم ، ويهينهم فيثنون على رفعته ، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته ، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً ، وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً ، ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة. ))

وأنا أقول :
( العوام ) ليسوا ضعفاء العلم والثقافة أو قليلو المال أو متواضو المنزلة والمكانة ، وإنما العوام هم فاقدو الإحساس والمشاعر وضعفاء الإيمان الذين سكتوا أو رضوا او أيدوا الخروج على الشرعية وصمتوا عن الدماء الحرة المسفوكة وعن الحريات التي انتهكت والحقوق التي سلبت والكرامة التي ديست ، أنهم هم العوام ولو كانوا قمة التعليم والثقافة كأعضاء هيئة تدريس الجامعات وأعضاء منظمات حقوق الإنسان ، عوام ولو كانوا يملكون مليارات الدولارات أو أصحاب شركات ، عوام ولو كانوا قمة الجاه والسلطان كقضاة او وزراء او سفراء .
انهم يذبحون أنفسهم بأيديهم ولن ينالوا إطماعهم الخبيثة وآمالهم الواهية بسبب خوفهم الناشئ عن جهلهم وغبائهم بحقيقة الإنقلابيين المستبدين ، فالانقلابي المستبد يعتقد ان الشعب كل الشعب خُلِق ليكون خادما له ، مطيعة إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمه كيف شاء بعدل أو ظلم وجور ، والأمة الواعية العاقلة ترفض ذلك وتبذل كل وقتها وجهدها ومالها حتى روحها لتبقى حرة كريمة ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

دستور باطل وإنقلاب ساقط بقلم محمد أحمد أبوغدير المحامي




.نشرت على الفيسبوك في ‏30 نوفمبر، 2013‏، الساعة ‏09:24 مساءً‏

 عرف فقهاء القانون الدستوري الدستور بأنه : الوثيقة التي تصدر عن الشعب وتتضمن القواعد القانونية المتعلقة بالسلطة السياسية في الدولة من حيث إنشائها وإسنادها وتنظيمها وممارستها .

وموضوع ألدستور تحديد وبيان المقومات الأساسية للمجتمع الاجتماعية والخلقية والاقتصادية ، وهو الذي يقرر الحريات والحقوق والواجبات العامة ، وهو الذي يحدد نظم الحكم في الدولة هل هو رئاسي أم برلماني ، ويقرر طريقة اختيار الرئيس ويحدد سلطاته وطريقة عزله ، وينظم السلطة التشريعية ويحدد كيفية انتخاب أعضاء البرلمان والسلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ، والسلطة القضائية ويحدد الهيئات القضائية واختصاصاتها , ويقرر الفصل بين هذه السلطات وحدود التعاون بينهم

ولهذه المكانة السامية والخطيرة للدستور ، هناك اتفاق بين الفقهاء الدستوريين قد يصل إلى إجماع على أن الدستور يكتبه ويصدره الشعب صاحب السيادة ، ويتم إعداد مشروع الدستور وكتابته عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة يتم انتخابها بطريقة مباشرة من أفراد الشعب وقد يكون بطريقة غير مباشرة بان تنتخب هذه الجمعية عن طريق البرلمان وهم نواب الشعب وممثليه ، ثم يعرض هذا المشروع على الاستفتاء الشعبي للمصادقة عليه ويصبح نافذا بمجرد موافقة الشعب عليه .

الدستور الذي يسعى الإنقلابيون لإصدارة يخالف تلك القواعد مخالفة تامة ، إذ لم تقم بإعداده وكتابته جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب ، وإنما قامت بإعداده لجنة معينة عن سلطة لانقلاب غاشم خرج عن الشرعية واغتصب السلطة بعد خطف الرئيس المدني المنتخب واسقط الدستور الشرعي الذي حاز على قبول الشعب ورضاه بنسبة تقرب من 65% من جموع المشاركين في استفتاء نزيه ، ومن ثم فإن لجنة العشرين تفتقد صلاحية كتابة الدستور أو تقديمه للشعب لإقراره بالاستفتاء عليه .

وكتابة الدستور وإصداره ينبغي أن يتم في جو من الوفاق والتوافق الوطني الذي تسوده حرية الرأي والتعبير ،ويشارك فيها ممثلين عن الشعب كله بجميع ألوانه وأطيافه لأنه صاحب السيادة وعنه تصدر كافة التشريعات الدستورية والقانونية، ولقد أعد الإنقلابيون هذا المشروع من خلال أنصارهم ومؤيديهم فقط بعد أن سرقوا مكتسبات خمس انتخابات نزيهة أسفرت نتائجها عن رضي الشعب عن أكثرية إسلامية وأقصوها عن الحياة المدنية والسياسية بعد أن قتلوا الآلاف منهم وحرقوا جثثهم وفي جو من الإرهاب غيبوا الآلاف منهم في السجون في ظل قضاء انتقائي وانتقامي .

ومؤدى ما تقدم ينعدم الدستور مشروعا ويستحيل إصداره باستفتاء نزيه يعبر عن إرادة الأمة بكل أطيافها السياسية والاجتماعية ، ويبقى وسيلة الانقلابيين الخائبة لإضفاء الشرعية على جريمتهم المنكرة بخروجهم عن الشرعية واغتصاب السلطة ، ولن يفلحوا في ذلك أبدا في ظل توره المصريين الأحرار الذين خرجوا بصدور عارية يقدمون أرواحهم على أكفهم من اجل كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم يهتفون : يسقط يسقط حكم العسكر ، واثقين أن نصر الله قريب





حتى بعد السيسي فلابد من الجهاد ليسقط الانقلاب بقلم محمد أبوغدير

حرر في 12 / 11 / 2013

غاب السيسي زعيم الانقلاب الغادر عن الأضواء خلال الأسابيع الماضية فلم يشاهده أحد في مقابلة أمام وسائل الأعلام ولم جرى معه حوار في الصحف أو تصدر عنه تصريحات ، وانشغل كثير من المصريين بهذا الغياب ، فصرح البعض على شبكات التواصل الاجتماعي بمرضه الشديد المقعد عن أداء مهامه وزعم آخرون بموته أو قتله .


وشكك كثيرون في كل صورة للسيسي تنشر عن لقائه مع غيرة فينظر إليها بريبة ويشككون في صحتها ، ونصب الكثيرون أنفسهم خبراء في هندسة التزييف والتزوير ، فيكشفون عن شواهد متناقضة او مختلفة على الصورة المنشورة ليثبتوا تزييفها ، وذلك بقصد ألا يفقدوا حلما جميلا - لا شك - يتمناه كل حر وهو هلال الطاغية الأكبر مدبر ومنفذ الانقلاب الغاشم .

ومع إقرارنا بجرم السيسي ودوره الكبير في الانقلاب ، وكذلك بالأثر المباشر والقوي الذي تتأثر به سلطة الانقلاب في حالة غيابه بالمرض المقعد عن قيامه بأعماله أو الموت المنه لحياته ، فمن الضروري والواجب القول بأن مات شخص السيسي أو قتله سيؤدي إلى انقلاب حال البلاد والعباد من بعد عسر يسرا ، ومن بعد قتل وخطف وحرق وسجن واعتقال إلى حرية وأمان واطمئنان وسائر حقوق الإنسان ، سيموت السيسي ويبقى الكثير من السيسي .

ومن ثم فلا يجب يشغل الأحرار المصريين أنفسكم بشخص السيسي ، فلا شك إن مات أو قتل عبد الفتاح السيسي وحده وبقي الانقلاب فسيهتف كل الظالمون بصوت واحدا كلنا السيسي ، رغم أنهم هم الجبناء الذين ينهارون خوفا ورعبا من شارة رابعة رمز الصمود .

ومن ثم فالسيسي ليس فردا وإنما عصابة كبيرة من المفسدين ، يتتلمذ على يديهم الشياطين لديهم منهج يكرس مطامعهم ويحمي مكتسباتهم ، يؤمنون به ويجاهدون بكل الوسائل إلى تنفيذه ، دون النظر إلى حقوق الناس وحرياتهم ، وبغض النظر عن الحل والحرمة ، ودون مراعاة لوطنية أو قومية.

السيسي : فرقة من الدعاة الضالين ، يزعمون ويدعون اﻻسلام والإيمان واﻹصلاح ركنوا إلى جنب الطغاة يبررون لهم قتلهم واعتقالهم اﻷحرار ونهبهم وسرقتهم مقدرات اﻷوطان ، وارتضوا دور الملل للانقلاب الغاشم بوقوفهم مع الخائن حال إعلانه الخروج عن الشرعية ، وأحلوا له سفك دماء المعتصمين الأحرار الرافضين لانقلابه .

السيسي : دائرة كبيرة من القضاة في كل محكمة خلعوا وشاح العدالة ، وأغمضوا أعينهم عن الحيدة والمساواة بين الناس وركنوا إلى السلطان من اجل متاع يجرهم إلى النار ، وخرجوا عن حدود اختصاصاتهم المحدودة فأبطلوا وحلوا برلمانا اختاره الشعب مصدر السلطات ، وسيسوا القضايا فكانت جل أحكامهم تبرئ المجرمين من القتله والمفسدين من مؤيدي السلطة الظالمة ، وتؤيد القبض والاعتقال دون ضمانات وإجراءات سليمة أو تحقيق نزيه ، وتحبس وتسجن دون جريرة المؤيدين للشرعية ومعارضي الانقلاب .

السيسي : عصابة من رجال أعمال المال الحرام تربوا وترعرعوا في عهد مبارك قسمت عليهم أراضي مصر بلا مقابل فباعوها بأفحش الأثمان ، وائتمنوا على أموال الشعب فنهبوا البنوك ورفعوا الأسعار ، وامتلكوا وسائل الأعلام فكذبوا وأضلوا وبغضوا الشعب الطيب في أول رئيس مدني منتخب وفي البرنامج الإسلامي الذي يحمله ، وبأموال الأمة المنهوبة مولوا الانقلاب عليه .

السيسي : كتيبة من الجند تركوا الحدود والثغور وتحالفوا مع اليهود ، وبدلا من المحافظة على وحدة الأمة وفرقوا جمعهم وحزبوا صفهم الواحد ، فاصطنعوا جبهة التمرد وأيدوا جبهة الإنقاذ وانقلبوا على الرئيس ولاحقوا أنصاره من الحكومة والبرلمان الذين حازوا على ثقة الشعب في خمس انتخابات نزيهة بعد ثورة يناير.

السيسي : هو العسكر التي تقاعس عن الأمانة ونفض يده من تأمين الشعب فلا تأمين للأجساد أو الأرواح فكثر التعدي على الناس بالضرب والقتل ، ولا حماية للأموال فتسورت البيوت لتنهب وتركت السيارات لتسرق ، وانشغلوا بتأمين السلطة الحاكمة الظالمة ليقتلوا شهامة الرجال وشجاعة النساء فاعتقلوا الأطفال من مدارسهم والفتيان من جامعاتهم ، وانشغلوا بزراعة وبيع الخضار والفاكهة عن صنع السلاح .

السيسي : هم الجهلاء الذين يزعمون أنهم مثقفوا الأمة وروادها وحماة للديمقراطية وحقوق الإنسان ، الذين أيدوا الانقلاب الغادر وباركوا الخروج على الشرعية ، وصفقوا لحل البرلمان المنتخب وإلغاء الدستور ، ورضي بتولي السلطة من ؟؟؟ رئيس المحكمة الدستورية .

يا حسرة على الصفوة المثقفين ، الذين لم تقشعر جاودهم لدماء عزيزة سالت ، وأرواح الآلاف التي زهقت ، وأجساد المصابين وجثث الموتى التي حرقت وتفحمت ، وآلاف المعتقلين دون جريرة في غياهب سجون ، ولقد قطعت ألسنتهم عن النطق بدعواهم الكاذبة بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته ، أرضوا بذلك كله وباركوه لكون الضحايا اغلبهم إسلاميون ؟؟؟؟ ، حسبنا الله ونعم الوكيل .

السيسي كل هؤلاء الظالمون الفاسدون المجرمون جميعا ، وهم يد واحة على كل حر أبي ، يعملون دون كلل أو فتور ليبق حال الوطن إلى ما صار عليه بعد الانقلاب ، لأنهم يعلمون يقينا أن في سقوط انقلابهم فضلا عن ضياع جاههم وسلطانهم المغتصب ، تقديمهم للمحاكم لما اقترفت أيديهم من جرائم الإبادة الإنسانية بالخيانة والغدر والخروج على الدستور والقتل الحرق والنهب .

ويسعون السيسيون المجرمون - إذا لم يسقط انقلابهم سريعا - لإثبات شرعيتهم بالانتهاء من إعداد الدستور وإقراره بموجب استفتاء مزور منسوب إلى الشعب وإجراء انتخابات برلمانية يخوضها المجرمون ليحصلوا بموجبها على الحصانة التي تقيهم الشنق والحبس على ما اقترفت يداهم من جرائم .

ومن الجانب الآخر يجب على المصريون الأحرار المجاهدين وعلى الآخرين التائهين الغافلين أن يعلموا علم اليقين أن الحقوق والحريات ليست من منحة من حاكم ولا هبة من ملك أو أمير يصدرها ثم يمنعها يزيدها أو ينقصها وإنما هي حقوق متأصلة في كل إنسان لا تنفك عنه أحد من الناس فقد ولدوا بها وتظل تلازمهم حتى يواروا بالتراب .

وأن الحقوق والحريات التي سلبت من الشعب المصري قسرا وقهرا لا تسترد إلا بالجهاد الطويل والتضحية والبذل بالغالي والنفيس من أرواحهم وأموالهم وابدأنهم في سبيل إعلاء كلمة الله الداعية إلى الحق والخير وكرامة الإنسان ، وعليهم أن يوقنوا ويعملوا بقوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) .

الاثنين، 18 نوفمبر 2013

تداو ل السلطة السياسية في الشريعة الإسلامية إعداد : محمد أحمد أبو غدير المحامي

تداو ل السلطة السياسية في الشريعة الإسلامية إعداد : محمد أحمد أبو غدير المحامي


بحث قدم الى :

المؤتمر العام الأول للمحامين بمدينة رأس البر

في الفترة من 11/9 إلى 14/9/2001م



بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله

صلى الله عليه و آله و من والاه

أما بعد

هل تعرف الشريعة الإسلامية مبدأ تداول السلطة ؟ ، و هل يمكن أن يتحول هذا المبدأ إلى واقع في ظل الدولة الإسلامية المنشودة ؟

هذا السؤال يتردد كثيرا - في واقعنا المعاصر- على صعيد العمل السياسي ، قد يكون الدافع إليه إحراج الباحثين في فقه الشريعة الإسلامية و اتهام هذه الشريعة بالقصور و عدم مواكبة النظم الدستورية الحديثة و وصم الدولة الإسلامية المرتقبة بالدكتاتورية و القهر و أنه لا مكان - في ظلها - لتداول السلطة و التعددية السياسية ، و قد يكون الدافع إليه هو إظهار عجز الحركة الإسلامية عن أن تقدم تصورا لمستقبل العمل السياسي و برنامج الحل الإسلامي الذي تنشده و تلح في طلبه صباح مساء .

و أيا كان الدافع إلى هذا التســاؤل ، فهو جدير بالإجابة عليه ، أو هو - بالمعنى الصحيح - جدير بأن يوضع على مائدة البحث و النقاش ، لنضع أطروحة أو اجتهاد فقهي نمهد به لدراسة أوسع و أعمق .

و تداول السلطة تتمثل في وجود حاكم استوفى كافة الشروط اللازمة لتولي الحكم ، و تم ترشيحه بواسطة أهل الحل و العقد ، وانعقد له الحكم بموجب البيعة من عامة الأمة - وبالرغم من أنه على قيد الحياة و لم بتم عزله - انتهت مدة حكمه بموجب العقد الذي تولى به و عادت السلطة إلى الأمة مرة أخرى لكي تقوم بإعادة الاختيار من جديد ، و يتقرر الحق لكل التكتلات السياسية الموجودة أن تعرض برامجها السياسية على الأمة لتتولى المقارنة بين مدى فاعلية هذه البرامج و مدى مصداقية القائمين عليها ، و من تمنحه الأمة ثقتها و تبذل له تأييدها تنتقل سلطة الحكم إليه إلى حين ، و تبقى بقية البرامج و القائمين عليها في الظل ترقب مسار العمل السياسي و تتابع مستجداته و تجدد نفسها في ضوئه .

و بناء على هذا المثال تداول السلطة يتطلب البحث في المسائل الآتية :

! : سلطة حكم شرعية قائمة .

2 : نظام شرعي يبيح التعددية السياسية .

3 : وثيقة تقرر حقوق و حريات تكفل مناخ سياسي من خلاله يتم انتقال السلطة من حزب إلي آخر .

لذلك أرى أن أسير في هذا البحث بالخطة الآتية

المطلب الأول : قيام سلطة الحكم و انتهاؤها في الشريعة الإسلامية

الفرع الأول : قيام سلطة الحاكم

الفرع الثاني : انتهاء سلطة الحكم

الفرع الثالث : مشروعية توقيت مدة الحكم

المطلب الثاني : الـتـعـدديـة الســياســـية في الشريعة الإسلامية

الفرع الأول : رأي القائلين حرمة إنشاء الأحزاب السياسية

الفرع الثاني : الرد على من قال بالحرمة

الفرع الثالث : رأي القائلين بمشروعية الأحزاب السياسية

المطلب الثالث : الحرية السياسية و تداول السلطة السياسية

الفرع الأول : حرية الترشيح و الانتخاب

الفرع الثاني : حرية الرأي و الشورى

الفرع الثالث : الحق في مراقبة و محاسبة الحاكم

الخـاتمة

المراجع

الفهرست

المطلب الأول

قيام سلطة الحكم وانتهاؤها

في الشريعة الإسلامية

تمهيد ويشمل فقرتين :

أولا : أساس العلاقة بين الحاكم و المحكومين :

العلاقة بين الحاكم و المحكومين أساسها عقد طرفاه الخليفة من ناحية و أولي الرأي من الناحية الأخرى و لا ينعقد إلا بإيجاب من أولي الرأي من الأمة و القبول من جانب الحاكم و ينعقد الحكم بترشيح أهل الحل و العقد من الأمة و المبايعة العامة من الأمة ، و هذا العقد يسمى عقد الخلافة .

فالحاكم أو الخليفة هو وكيل الأمة - الذي اختارته - و نائبها ، و مركزه القانوني هو مركز النائب و الوكيل عن الأمة و قد أدرك الفقهاء هذا المعنى و صرحوا به ، قال الماوردي - حال بيانه أثر موت الخليفة أو الوزير على سلطة أمير البلد أو القصر - ما نصه : ( و إذا كان تقليد الأمير من قبل الخليفة لم ينعزل أمير البلاد بموت الخليفة ، و إن كان من قبل الوزير إنعزل بموت الوزير لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين و تقليد الوزير نيابة عن نفسه )

ثانيا : تعريف الخلافة و حكمها :

الخلافة - كما يعرفها الأستاذ / عبدالقادر عودة - هي : ( عقد بين الحاكم و الأمة يتم بالتراضي بينهما يلتزم فيه الأول بأن يشرف على الشؤون العامة للأمة في الداخل و الخارج نما يحقق مصلحتها في حدود الإسلام ، و في مقابل ذلك تلتزم له الأمة على لسان ممثليها - الذين اختاروه إماما - أن تسمع له و تطيع أمره )

وفي هذا المطلب نتناول الفروع الآتية

الفرع الأول : قيام سلطة الحاكم

الفرع الثاني : انتهاء سلطة الحكم

الفرع الثالث : مشروعية توقيت مدة الحكم

الفرع الأول

قيام سلطة الحاكم



يتولى الحاكم - في ظل الشريعة الإسلامية - مهام منصبه بعد بيعة عامة المسلمين له و منذ هذه اللحظة ويتولى وظيفته و هي إقامة الدين و سياسة الدولة وهو المسئول عن إقامة الشورى و تنفيذ الأحكام ، لذلك لا يصلح كل شخص أن يكون حاكما لكون هذه الوظيفة تقتضي أن يكون شاغلها متحليا بصفات معينة و شروط خاصة .

و الحاكم - في فقه الشريعة الإسلامية - لا يفرض على المسلمين ، بل هم الذين يختاروه انتخابا و يتم ذلك بعد اختيار أهل الحل و العقد لأكثر المرشحين للحكم فضلا و أكملهم شروطا ، ثم البيعة العامة من كل المسلمين ، لذلك وجب أن يشمل هذا المطلب النقاط الآتية :



أولا : الشروط الواجب توافرها في الحاكم

ثانيا : طرق انعقاد الحكم

ثالثا : إجراءات اختيار الحاكم

أولا : الشروط الواجب توافرها في الحاكم

لعل أبو الحسن المارودي قاضي قضاة بغداد هو أول من قنن الشروط الواجب توافرها فيمن يرشح للخلافة ووسع في دائرتها ، فذكر أن الشروط المعتبرة في أهل الإمامة سبعة : العدالة على شروطها العامة ، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام ، وسلامة الحواس والأعضاء والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح ، والشجاعة المؤدية حماية البيضة وجهاد العدو والنسب بأن يكون من قريش .



يرى الفقهاء المعاصرين أن الشروط المنطلقة في الخليفة لا تخرج عن كونها الإسلام والعدالة والكفاءة وذلك على التفصيل الآتي :-

1. الإسلام : وهذا شرط طبيعي لأن وظيفة الخليفة تقتضي هذا ، فمهمته إقامة الإسلام وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإسلام ، ولا يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الصحيح إلا المسلم المؤمن بالإسلام ويعرف مبادئه واتجاهاته ، فضلاً عن أن الإسلام يحرم أن يلي أمر المسلمين غير المسلم ، قال تعالى " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء " ( النساء : 141 ) ويعلق ابن حزم على هذه الآية بقوله " والأمانة أعظم السبيل " .

2. العدالة : ومعناها الواسع أن يخشى الله تعالى في كل أمر وأن يقيم حدود الإسلام وينفذ أحكامه بلا ظلم أو جو ، وأن يختار خاصته ومعاونيه ممن تتوافر فيهم الكفاءة اللازمة بلا محاباة ولا تحيز ، فلا يؤثر قريباً ولا صديقاً .

3. الكفاءة : وهي تشمل القدرات والإمكانيات التي تمكن من القيام بمهام المنصب بالقدر المتيقن لدى أوساط الناس على النحو التالي :-

أن يكون بالغاً : لأن غير البالغ - كما يقول المارودي - لا يجري عليه قلم ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم ، فكان الأولى ألا يتعلق به على غيره حكم ، وكما قال ابن حزم أن جميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة أو صبي لم يبلغ .

و أن يكون عاقلا : و كما يقو ل الماوردي - لا يكفي العقل الذي يثبت به التكليف بل يلزم العلم بالمدركات الضرورية ليكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن السهو و الغفلة حتى يتوصل به إلى إيضاح ما أشكل و فصل ما أعضل .

و يشترط كذلك العلم و الشجاعة : و يكفي من العلم ما يلزم أمور الدين و السياسة الأحكام و لا يشترط الاجتهاد ، و من الشجاعة ما يمكنه من إصدار قراراته و تنفيذ الأحكام و الحدود

و ما فوق ذلك من قدرات و إمكانات يعوض باستشارة أهل الخبرة و الرأي .

ثانيا: طرق انعقاد الحكم

حدد الفقهاء المسلمين طرق انعقاد الحكم بأكثر من وجه تكاد تنحصر في الطرق الآتية :

1 : الاختيار و البيعة العامة ، 2 : الاستخلاف و ولاية العهد , 3 : النص أو الوصية . 4 : التغلب و القهر ، و نرى أن الطريق الوحيد لانعقاد الحلم هو طريق الاختيار و الانتخاب

الاختيار و البيعة

هو الطريق الوحيد لانعقاد الحكم في الشريعة الإسلامية

لا خلاف بين فقهاء أهل السنة من المسلمين على أن الخلافة تنفذ باختيار أهل الحل و العقد ، قال أبن خلدون ( و إذا تقرر أن هذا المنصب واجب بإجماع المسلمين - فهو من فروض الكفاية و راجع إلى أهل الحل و العقد - فتعين عليهم نصبه و يجب على الخلق جميعا طاعته )

و قال الماوردي ( و الخلافة تنعقد من وجهين : أحدهما باختيار أهل الحل و العقد )

و يرى فقهاء العصر الحديث أن الطريق الوحيد لتنصيب الحاكم هو الانتخاب ، فيقول العميد الطماوي ( و إذا استثنينا شيعة علي كرم الله وجهه فإن فقهاء المسلمين قد أجمعوا على أن الطريق الوحيد لاختيار الخليفة هو اختيار المسلمين ) و يرى الأستاذ عبد القادر عوده ( أن الإمامة تنعقد عن طريق واحد مشروع لا ثان له و هو اختيار أهل الحل و العقد و قبول الإمام أو الخليفة .

فالخلافة ليست إلا عقد طرفاه الخليفة من ناحية و أولو الرأي من الأمة من الناحية الأخرى ، و لا ينعقد إلا بإيجاب من أولي الأمر من الأمة و أهل الشورى و قبول من جانب الحاكم .

ثالثا : إجراءات اختيار الحاكم

هذا الاختيار يمر بمراحل ثلاثة هي :

1 : اختيار أهل الحل و العقد لأفضل المرشحين .

2 : قبول من وقع عليه الاختيار .

3 : البيعة من عامة الناس . نبينهم بإجاز فيما يأتي :

1 : اختيار أهل الحل و العقد لأفضل المرشحين :

مما لاشك فيه أن مهمة اختيار الحاكم خطيرة و دقيقة لذلك فإن هذا الأمر لا يعهد إلى عامة الناس ، إنما يوكل إلى ذوي إمكانات و كفاءات تمكنهم في النظر في الشروط التي يجب أن تتوافر في المرشح لتولي هذا المنصب الخطير و كذلك البحث و المفاضلة و الترجيح بين من يحمل هذه الشروط .

لذلك يتولى هذا الاختيار أهل الحل و العقد الذين يتصفون بالصفات الآتية :

العدالة الجامعة لشروطها و العلم و الإلمام بالشريعة الإسلامية و على وجه الخصوص الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى الخلافة و أن يتصف بالحكمة التي تمكنه من اختيار الأصلح .

و يتم الاختيار باجتماع أهل الحل و العقد و النظر في المرشحين الذين تتوافر فيهم الشروط فيقدموا البيعة منهم أكثر فضلا و أكملهم شروطا و من يسرع الناس إلى طاعته و لا يتوقفون عند بيعته .

2: قبول من وقع عليه الاختيار

فإذا تعين لأهل الحل و العقد من بين المرشحين من هو أهلا للخلافة عرضوا عليه الخلافة فأن أجاب إليها بايعوه و انعقدت بيعتهم له بالخلافة و إن أمتنع و لم يقبلها لا يجبر عليها ، و كان عليهم العدول عنه إلى سواه من مستحقيها .

3: البيعة من عامة الناس

الحقيقة أن عقد الخلافة لا يصح نهائيا بمجرد اختيار أهل الحل و العقد إذ لابد من موافقة الأمة لهذا الاختيار و إعلان رضاها عن شخصه و هذا ما يسمى بالبيعة العامة .

و البيعة هي العهد على الطاعة ، ذلك لن المسلم إذا بايع أميره يكون قد عاهده على السمع و الطاعة و اليد هي الترجمان الذي يترجم هذا المعنى و يخرجه إلى حيز التنفيذ .

الفرع الثاني

انتهاء سلطة الحاكم



لما كانت الخلافة عقداً بين الأمة وبين الخليفة ، فإن هذا العقد يظل منتجاً لآثاره ما دام سليماً . فإذا طرأ على هذا العقد ما يبطله ، كان لذلك صداه على مركز الخليفة ، ومن ثم فإن الخليفة يفقد منصبه في رأي الفقهاء للأسباب الآتية :-

أولا : موت الحاكم

من المسلم به أن السلطات التي يستمدها الخليفة من عقد الخلافة هي سلطات شخصية ، بمعنى أن تلك السلطات لا تسمح له بأن ينقل سلطاته إلى أحد غيره بعد وفاته .. وكل ماله في هذا الخصوص ينحصر في ترشيح من يراه صالحاً في هذا المنصب ، على أن تكون الكلمة النهائية في الاختيار للمسلمين .

فبوفاة الحاكم ، تصبح الولاية شاغرة و يجب اتباع الإجراءات المقررة لتنصيب الحاكم الجديد و يجب على الناخبين انتخاب حاكم جديد أو مبايعة الشخص الذي أستخلفه المتوفى - عند الاقتضاء - إن وجد و ليس هناك فترة محددة لمبايعة الحاكم الجديد و لكن لا يجوز وهذا هو السبب الطبيعي والغالب لفض المنصب ، القاعدة التي استقرت في تقاليد المسلمين هي عدم توقيت الخلافة بمدة زمنية بل يظل الخليفة ما دام قادراً على ذلك ، وما لم يطرأ عليه أسباب تجيز عزله ، لأنها حالة عاجلة تمس المصالح الجوهرية للأمة الإسلامية لذلك فإنه فور وفاة الرسول كان أول اهتمام المسلمين هو القيام باختيار الخليفة الأول أبوبكر الصديق ، و قدموا ذلك على دفن النبي

ثانياً : تنحي الحاكم عن منصبه أو استقالته

أجاز الفقهاء للحاكم أن ينحي نفسه مختاراً عن المنصب ، يقول المواردي : ( وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلى ولي عهده وقام خلعه مقام موته .ويرى د/ السنهوري أن هذا الرأي يستند إلى أنه من صالح سير نظام الخلافة ألا يفرض على الخليفة على البقاء إرادته إذا أراد التنحي عن مهام منصبه ، و لا يعني هذا أن الاستقالة من المنصب تؤدي إلى أيلولة الخلافة آلياً إلى من عينه الخليفة ، لأن الخلع يقوم مقام الموت بمعنى أن يتعين استيفاء إجراءات تعيين الخليفة الجديد وفقاً للخطوات السابق بيانها ، ويرى الفقهاء أن استقالة الخليفة بمجرد أن تأول الخلافة إلى شخص معين يعينه هو أمر غير مشروع



ثالثاً : عزل الحاكم من منصبه

تسقط ولاية الحاكم إذا تغير حاله تغييراً نتج عنه فقد واحدة أو أكثر من شروط الأهلية المطلوبة عند إتمام عقد الخلافة ، وقد عددها الماوردي في حالتين هما : وجود عيب أو نقص معنوي يزيل عنه صفة العدالة والثاني نقص أو عيب عضوي أو جسماني .



عزل الحاكم لأسباب معنوية

ا . الردة : لما كان يشترط فيمن يتولى الحكم - في الدولة الإسلامية - أن يكون مسلماً فإنه يترتب على ذلك أن تسقط عنه الولاية بحكم القانون إذا ارتد .

ب.الفسق : إذا فقد الحاكم صفة العدالة بفسقه تسقط عنه الولاية ، والفسق نوعان : الفسق الظاهري المعروف بذلك لأنه يظهر في السلوك الخارجي كارتكاب المعاصي والتجرؤ على الأعمال المكروهة مع إتباع الشهوات والاستسلام للأهواء وهو يظهر في السلوك الشخصي للحاكم سواء في حياته الخاصة أو حال ممارسته السلطة في الحياة العامة ويعتبر الخليفة فاسقاً بهذا المعنى إذا ارتكب إحدى الكبائر أو اعتاد ارتكاب الصغائر ، أما النوع الثاني : من الفسق المعنوي يتحقق بخروج الحاكم في ممارسته ولايته عن الأصول الشرعية إذا تجاوز سلطاته أو أساء استعمال ولايته .



وهنا يثور سؤال : هل يترتب على الفسق سقوط الولاية تلقائياً بحكم القانون أم أنه يجب خلع الحاكم بقرار من جهة ما ؟ يرى الإمام الشافعي أن السقوط يقوم تلقائياً بحكم القانون ، ويرى البعض أن السقوط يكون بقرار من الأمة أو من يمثلونها .

الفرع الثالث

مشروعيةتوقيت مدةالحكم

لا خلاف أن الحاكم - في الدولة الإسلامية - إذا تولى الحكم يستمر في حكمه مادامت شروط اختياره متوافرة في حقه ، وهذا ما جرى عليه العمل و حكاه التاريخ عبر الدولة الإسلامية منذ الخلافة الراشدة و حتى سقوط الدولة العثمانية في بداية القرن الماضي .

و لما كان الحاكم يتولى حكمه بموجب عقد الخلافة المبرم بين الأمة و الحاكم فإنه يجوز للأمة صاحبة الحق الأصيل حال إبرامها لهذا العقد أن تضع له مدة محددة فإذا انتهت هذه المدة عاد هذا الحق إلى الأمة من جديد فهي بالخيار في أن تختار ذات الحاكم أو تختار غيره ، و هذا هو الأساس الذي يبنى عليه نظام تداول السلطة .

هل في نصوص الشريعة الإسلامية من النصوص أو القواد الفقهية ما يؤيد هذا الرأي ؟ ذلك هو موضوع هذا الفرع الذي نعالج فيه النقاط الآتية :

1 : طبيعة العلاقة بين الحاكم و المحكومين .

2 : جواز تقييد عقد الخلافة بشروط.

3 : مشروعية توقيت عقد الخلافة

و سوف نبين ذلك بشيء من التفصيل :

أولا : طبيعة العلاقة بين الحاكم و المحكومين

الخلافة عقد بين الحاكم و الأمة يتم بالتراضي بينهما و الاختيار يلتزم فيه الأول بأن يشرف على الشئون العامة للأمة في الداخل و الخارج بما يحقق مصلحتها في حدود الإسلام و في المقابل يلتزم له الأمة - على لسان ممثليها الذين اختاروه إماما - أن تسمع له و تطيع أمره .

فالحاكم أو الخليفة هو وكيل الأمة - التي اختارته - و نائبها و مركزه القانوني هو مركز النائب و الوكيل عنها و قد أدرك الفقهاء هذا المعنى و صرحوا به ، فمن أقوالهم في هذا الباب ما ذكره المودودي وهو يتكلم عن موت الخليفة والوزير و أثر ذلك في سلطة الأمير فقال ما نصه ( و إذا كان تقليد الأمير من قبل الخليفة لم ينعزل بموت الخليفة و إذا كان من قبل الوزير عزل بموت الوزير ، لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين و تقليد الوزير نيابة عن نفسه )

ثانيا: جواز تقييد عقد الخلافة بشروط .

إذا كانت الخلافة عقدا - كما سبق البيان - فإنه يجوز تقييدها بما يقيد سائر العقود من الشروط و القيود شريطة أن تكون في دائرة الشرعية ، فلا تحل حراما و لا تحرم حلالا و لا تأمر بمنكر و لا تنهى عن معروف .

و مبدأ تعليق الولاية بالشروط من المبادئ المعروفة في الفقه الإسلامي و لقد عنون الشوكاني في نيل الأوطار فقال : ( باب تعليق الولاية بشروط ) و ساق ما رواه البخاري عن أبن عمر قال : (( أمر رسوا الله في غزوة مؤته زيد بن حارثة و قال إن قتل زيد فجعفر ، و إن قتل جعفر فعبد الله بن رواحه )) ، و لقد أشار الماوردي إلى جواز تعليق تولية الخليفة بشروط و استشهد بعمل النبي في تولية القواد في غزوة م}ته ، وعلل ذلك بأن الولاية من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود الخاصة ، و لا فرق هنا بين الولاية الجزئية - المشار إليها - و الولاية العامة و هي الولاية العظمى المراد الاستدلال عليها إذ كلا الولايتين عقد من العقود لم يتغير إلا أطرافه و لكن حقيقة التعامل قائمة في الحالتين فتنصرف مشروعية التقييد إلى كليهما .

ثالثا : مشروعية توقيت عقد الخلافة

بناء على ما سبق بيانه فإنه إذا تم النص في عقد التولية على تقييده بمدة زمنية معينة فلا حرج في ذلك ، و يصبح هذا التقييد ملزما للكافة ، و لا يعتبر السعي لتولي مقاليد السلطة بعد انتهاء المدة الدستورية شقا لعصا المسلمين ، ولا خروج على جماعتهم و لا منازعة لأئمتهم ، و إنما يكون من جنس السعي لإقامة الإمامة في حالة خلو الزمان من الأمام و شغوره من السلطان .

و يقول المبارك فوري ( إذا اتفقت الأمة و الشورى على دستور يقضي بنهاية الحكم بمجرد انتهاء فترة محددة فإن سيبقى بعد ذلك على كرسي الحكم لا يكون حاكما شرعيا ، و إنما يكون مشرفا مؤقتا أمسك بزمام الحكم ليسلمه إلى من يتفق عليه الناس ، ومن خاض معركة الانتخاب ليتسلم زمام الحكم بعد نهاية

هذه الفترة فليس هو بمنازع على الحكم ‘ ولا مفرقا لأمر الأمة بعد اجتماعها على أحد ، بل هو إنما يستعد لأخذ زمام الأمة في حال خلوها من الأمير .

و يجوز في تلك الحالة أن يتعدد المرشحون الذين تقومون أو يقامون لتتفق الأمة على واحد منهم ، كما وقع عند خلافة الصديق ة خلافة عثمان رضي الله عنهما فإذا انعقدت الحكومة بأغلبية أصوات الأمة ، و استلم الرجل المنتخب زمام الحكم فحينئذ لا يجوز لحد أن يقوم لينازعه طوال فترة حكمه التي اتفق عليها الأمة و الشورى تحت الدستور .

المطلب الثاني

الـتـعـدديـة الســياســـية

في الشريعة الإسلامية

تمهيد :

مما لاشك فيه أن الأحزاب السياسية باعتبارها تكتلات سياسية تعمل بالوسائل الديموقراطية للوصول إلى الحكم لتنفيذ برنامجا معينا ، هي وليدة الديمقراطية الغربية التي تقوم على أساس علماني و هو فصل الدين عن الدولة ، فهل يتسع فقه الشريعة الإسلامية لتعدد الأحزاب السياسية ؟ ،

و الحقيقة أن الأحزاب السياسية - باعتبارها تكتلات سياسية تعمل بالوسائل الديموقراطية للوصول إلى الحكم لتنفيذ برنامجا معينا - من المسائل الحادثة التي لا عهد للأمة بها من قبل ، لذلك قد تفاوتت اجتهادات الفقهاء المعاصرين في هذه القضية و بين رأيين : الأول يرى حرمة الأحزاب السياسية و الآخر يرى مشروعيتها .ويبقى على الاتجاه القائل بمشروعية التعددية داخل الإطار الإسلامي أن يبين كيفية استيعابها .

تباينت آراء الفقهاء حول قضية الأحزاب السياسية في الشريعة الإسلامية على اتجاهين هما:

الاتجاه الأول : يرى حرمة إنشاء الأحزاب السياسية :

الاتجاه الثاني : يرى مشروعيتها :

و فيما يلي عرض هذين الاتجاهين ، مع مناقشة أدلة القائلين بالحرمة و نرد عليها :

الفرع الأول

رأي القائلين حرمة إنشاء الأحزاب السياسية



يرى أنصار هذا الاتجاه أن نظام الأحزاب السياسية لا سبيل له في المجتمع الإسلامي ، و لا تتسع له المذاهب الفقهية لما يخرقه من الأصول و القواعد الشرعية، و لما يقضي إليه من المآلان الوخيمة و العواقب المنكورة ، و أنه يجب أن تسد الذرائع إليه بكل سبيل ، و قد استدل القائلون بالمنع بعدد من الأدلة نوجز بيانها في الآتي :

أولا الأدلة الشرعية ينهى عن التفرق و تحض على الاجتماع

ففي القرآن : قاله  : إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شئ 

و قال   و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا 

و قوله أيضا  و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم 

ففي هذه الآيات - و الكثير غيرها - نهي من الله تعالى عن التفرق في الدين و التنازع المفضي إلى الفشل و ذهاب الريح ، و أمر بالاعتصام بحبل الله عز و جل .

و من السنة : قول النبي  (( الجماعة رحمة و الفرقة عذاب ))

و قوله  (( عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ))

و قوله  (( من أتاكم و أمركم جميعا على قلب رجل واحد يريد أن يشق عصاكم و يفرق جماعتكم فاقتلوه بالسيف كائنا من كان )) رواه مسلم



ثانيا : إن الأحزاب السياسية لم تذكر في النصوص الشرعية إلا مقترنة بالوعد و الوعيد و اقتصرت الإشارة بها إلى أعداء الدين ، و في المقابل لم يشر إلى جماعة المسلمين بتعبير الأحزاب فقط .

و إنما أشير إليهم بصيغة المفرد على أنهم حزب الله و ذلك في موضعين فقط من القرآن الكريم ، فدل ذلك على أ، الشريعة الإسلامية لا تتسع إلا لحزب واحد فقط هو حزب الله ، أما الأحزاب الأخرى هي تعبير يتسع لجميع الفرق و النحل الخارجة عن جماعة المسلمين .



ثالثا : الأدلة الشرعية تنهى عن التنافس و طلب الإمارة و تتوعد من فعل ذلك بالخذلان و سوء العاقبة و من أمثلتها :



ما رواه البخاري ومسلم : عن أبى موسى الأشعري قال : ((دخلت على النبي  أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين أمرنا يا رسول الله وقال الآخر مثله فقال رسول الله  أنا لا نولي هذا من سأله و لا من حرص عليه ))

و ما رواه البخاري و غيره عن أبي هريرة  عن النبي  قال (( إنكم ستحرصون على الإمارة و ستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرصفة و نعم الفاطمة ))

و نظام الأحزاب قائم على التنافس علو الإمارة و الوصول إلى الحكم و منازعة السلطة القائمة ، وكم تستحل باسم ذلك حرمات ويقطع أرجاء و تمزق أواصر .

رابعا : ومن السنة النبوية ما توجب طاعة الأئمة في غير معصية و تنهى عن منازعتهم و تحرم الخروج عليهم ، و نذكر من هذه النصوص ما يأتي :

ما رواه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم (( أسمعوا و أسمعوا أطيعوا ولو أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ))

و ما رواه مسلم عن ابن عمر من قوله (( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة و لا حجة له ، ومن مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ))

و من المعلوم أن التعددية السياسية قائمة على التنافس على طاب الولاية و السعي إلى الحكم هو مفرق الطرق بين الأحزاب السياسية و بين غيرها من التكتلات البشرية الأخرى ، فأنى تتحقق المشروعية لهذا النظام مع قيامه ابتداء على مناقضة هذه النصوص ؟ .

خامسا : فشل التجارب الحزبية المعاصرة غي أغلب البلاد الإسلامية :

لا نعرف حزبا معاصرا في أي بلد من بلاد المسلمين و في بما عاهد الشعب عليه قبل الانتخابات ، بل كان في الجملة وبالا على الأمة و جرثومة تنخر في كيانها و قرحات اخترقت الأمة من خلالها ، فالأحزاب السياسية في مقاعد المعارضة لم تأل جهدا في تشقق الأمة و إثارة الأحقاد و العداوة بين أبنائها و في موقع السـلطة سوم الأمة سوء العذاب و تاجرت بالبلاد ، فلا خير فيها حاكمة و لا خير فيها معارضة .

هذه خلاصة الأدلة التي ذهب إليها القائلون بالمنع المطلق من إنشاء الأحزاب السياسية في الإسلام .

الفرع الثاني

مناقشة رأي القائلين بالحرمة

أولا: بالنسبة للرأي القائل بأن الأحزاب السياسية لم تذكر في النصوص الشرعية إلا مقترنة بالوعد و الوعيد و اقتصرت الإشارة بها إلى أعداء الدين ، و في المقابل لم يشر إلى جماعة المسلمين بتعبير الأحزاب فقط ، فيمكن أن يناقش و يرد عليه بالآتي :

أ : إن المفهوم الحديث للحزب السياسي يختلف عن مفهوم الحزب الوارد في القرآن الكريم على سبيل الذم: إن الحزب بالمفهوم المعاصر مجموعة متآلفة من الناس يجمع بينهم وحدة الاتجاه السياسي داخل الإطار الإسلامي فهو أشبه ما يكون بالمذهب الفقهي ، وقد تلقت الأمة المذاهب الفقهية بالقبول ، ولم تعتبر ذلك نوعاً من التعددية المرفوضة لأن تفاوت الاجتهادات وتباين الآراء سنة من سنن الاجتماع ، وطبيعة من طبائع البشر .

أما الأحزاب بمفهومها القديم فهي تكتلات عشائرية أو قبلية أو قومية تؤلف بينها العصبيات الجاهلية ، وتجمع بينها وحدة الالتقاء على حرب الإسلام والكيد لأهله ، فهي مرفوضة لهذا المعنى سواء سميت حزباً أو جماعة أو أمة أو تنظيماً أو دولة أو ما شاء أصحابها من المسميات ، فإن المذموم ليس مجرد التسمية وإنما الاجتماع على أواصر جاهلية والانتصاب لحرب الله ورسوله .

ب : بالنسبة لما ورد في القرآن الكريم و السنة المطهرة وينهيان عن التفرق و تحضان على الاجتماع وتصف الاجتماع بالرحمة والفرقة بالعذاب :

لابد أن تحمل على التفرق في الأصول الكلية التي خالفت به الفرق الضالة جماعة المسلمين ، أو على التعصب الذي ينشأ عن هذا الخلاف ويؤدي إلى التهارج والتدابر وفساد ذات البين .

أما مجرد تفاوت الآراء في المسائل الاجتهادية فلا حرج فيه ولا تثريب على أصحابه لأن النصوص في هذا المجال ظنية ذات أوجه وتفاوت المدارك سنة من سنن الله في الخلق .

ولقد وقع هذا الخلاف من صحابة رسول الله  فكان اختلافهم رحمة على الأمة ، حتى قال بعض أهل العلم : ( إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ) .

ومعنى ذلك أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفرعي فيهم فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة ، وكيف لا يدخلون في قسْم ( من رحم ربك ) الوارد في قول الله يعالى (( و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ))؟! فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله .

ثالثا : و بالنسبة للأدلة الشرعية التي تنهى عن التنافس و طلب الإمارة و تتوعد من فعل ذلك بالخذلان و سوء العاقبة وهذا أصل عام صرحت به النصوص السابقة ولكن يرد عليه الإستثناءات الآتية :-

أ‌. من تتعين عليه الإمارة فله أن يطلبها بل قد يغفر له الحرص عليها وذلك استدلالاً بطلب يوسف عليه السلام للولاية من عزيز مصر كما قال تعالى " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " يوسف : 55 وقال الألوسي في تفســير هذه الآية : ( وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهر به ، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة ) .

ب‌. إن المتأمل في الأحاديث التي تنهى عن تزكية النفس وطلب الولاية يستطيع أن يقيد المنع الوارد فيها بمن طلب ذلك لمصلحة نفسه ، أما من طلبها لمصلحة الدين وتحقيق الأصلح للمسلمين مع كونه أهلاً لها وقاصداً إلى إقامة الحق والعدل فيها فهو خارج عن دائرة هذه النصوص .

ت‌. إن من يحرصون على طلب الإمارة لإنفاذ برامج سياسية معينة يرونها أرضى لله وأنفع للمسلمين فالأمة لا تختارهم من ذواتهم وإنما لما يحملونه من برامج قدروا أنها أقوم لمصلحة الأمة .

رابعا : : بالنسبة للأدلة التي توجب طاعة الأئمة في غير معصية و تنهى عن منازعتهم و تحرم الخروج عليهم ، فهي حق ولكنها خارجة عن مورد المنازعة للأسباب الآتية :

إن السعي إلى المشاركة في الحكم من خلال الأطر المشروعة لإنفاذ برنامج سياسي ، سعي مشروع يقره الشرعية القائمة و يسمح به الإطار السياسي المعتمد من الكافة ، و الذي إلتزم الجميع بأن يقوموا على رعاية المعارضة و توفير الحماية لها كما يقومون على رعاية الأغلبية الحاكمة سواء بسواء

خامسا : أما عن الاحتجاج بفشل التجارب الحزبية المعاصرة غي أغلب البلاد الإسلامية فهو احتجاج غريب للأسباب الآتية :

أ : إن كل الأحزاب التي قامت في أغلب البلاد الإسلامية أحزاب علمانية ، لا نعلم واحدا منها قام علي أساس تحكيم الشريعة الإسلامية و إقامة الدين و استعادة الهوية الإسلامية ، و السعي لإقامة الدولة الإسلامية المنشودة فكيف يحتج بجرائم مثل هذه الأحزاب على فشل التجربة الحزبية في محيط الولة الإسلامية

ب : فإذا صح الاحتجاج بنتائج الحزبية العلمانية فلماذا نحتج ن بفشل الأحزاب في بلاد المسلمين و لا يحتج بنجاحها في بلاد الكافرين أو على الأقل يتعارض الدليلان فيسقطان .

ج : و الحقيقة أن هذا الدليل خارج محل النزاع لأن موضوع النزاه هو التعددية التي تنطلق من الأصول والقواعد الإسلامية و التي تعمل في إطار سيادة الشريعة و يسعى إلى إقامة المشروع الحضاري الإسلامي و وضعه موضع التنفيذ و التعددية بهذا المعنى لم تطبق و إنما أمل يراود التيار الإسلامي ، فكيف يحتج عليها بتجارب علمانية ما قام التيار الإسلامي إلا ليغيرها و تحويل وجهتها إلى الإسلام .

الفرع الثالث

رأي القائلين بمشروعية الأحزاب السياسية



يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن التعددية السياسية جائزة في إطار الشرعية الإسلامية ، وغلب هذا الاتجاه على الباحثين المعاصرين ، و قد أصبح حقيقة واقعة و تكاد أغلب الكتابات الحديثة في النظام السياسي في الإسلام تنحوا هذا المنحى ، وتلتمس من التخريجات الشرعية التي تدخله من منظومة المفاهيم الإسلامية .

و لقد انطلق القائلون بمشروعية السياسية من إطار المذهبية الإسلامية من خلال عدد من المرتكزات و الضوابط التي نوجز بيانها هيما يأتي :

1 : مرتكزات التعددية الحزبية

أولا : السياسة الشرعية :

و السياسة الشرعية : هي تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح و رفع المضار بما لا بتعدي حدود الشريعة و أصولها الكلية و المراد بالشئون العامة للدولة كل ما تطلبه حياتها من نظم سواء أكانت دستوريه أم تشريعيه أم قضائية أم تنفيذية وسواء كانت من شئونها الداخلية أم من علاقاتها الخارجية .

وعلى ذلك فأن تدبير شئون الحكم وعقد السلطات العامة في الدول وتنظيم العلاقة بينهما وتمكين الأمة من ممارسة حقها في السلطة وتدبير أنظمة الشورى والحسية وتحوه كل ذلك من مسائل السياسة الشرعية التي لا يشترط فيها أن نكون على منال سابق ، بل الذي يشترط هو آلا تخرج عن قوانين الشريعة الكلية وحدودها العامة ، وان تحقق بها المصلحة ويرفع بها الخرج .

فإذا كان الواقع انه قد رق دين الحكام وضعف الوازع الداخلي الذي يحملهم على الإنصاف و أقامه العدل وحماية الحقوق والسهر على كافة المصالح و مت الحاجة إلى رقابة شعبية منظمة تأطر هؤلاء الحكام على الحق أطرا و تتبنى مطالب الأمة و تضع البرامج السياسية القادرة على استصلاح الأحوال و النهوض بالبلاد و العباد و تدفع بها إلى التنفيذ من خلال إطار سلمي مشروع يتفق عليه الكافة فإن ذلك مما يندرج في باب السياسة الشرعية و يكون من الواجب إحكام صياغة هذا النظام حتى لا يهدم أصلا قطعيا في الشريعة الإسلامية أو يعارض حكما من أحكامها

ثانيا : الأصل في العقود و المعاملات الإباحة حتى يأتي ما يثبت التحريم :

و هذا ما انتصر له عدد كبير من الفقها منهم شيخ الإسلام ابن تيميه و غيره و من المعلوم أن أعمال هذه القاعدة ووضعها موضع التنفيذ فإن استخلاص صياغة لتعددية حزبية تحقق المصلحة و تفي بالحاجة نو تصون الأمة من جور الحكام المستبدين و تحفظ له حقوقه في الرقابة و الحسبة و لم تصطدم هذه الصياغة بمحكم الشريعة سواء كان نصا جزئيا أو كليا ، فإن المصلحة تقتضي اعتباره من الحل و على مدعي المنع إقامة الدليل .

ثالثا : مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب :

فإذا استصحبنا هذه القعدة لتطبيقها في مجال السياسة و الحكم ، لوجدنا أن الشريعة تأمرنا بجملة من المبادئ الكلية يتوقف وجودها أو حسن القيام بها في واقعنا المعاصر على التعددية السياسية و ذلك على النحو التالي :

أ : الشـــــورى : و هي من عزائم الحكم وقواعد الشريعة الكلية و لا سبيل لتحقيقها و حسن تطبيقها في باب السياسة و الحكم - في الواقع المعاصر - ‘لا عن طريق التعددية السياسية .

ب : الرقابة على السلطة و محاسبة الحكام : حق أصيل للأمة و هو مبني على أساس أنها صاحبة الحق في السلطة ابتداء و قد فوصي أئمتها في القيام بتبعاته ، و يبقى لها الحق واجب الرقابة فإن استقام أئمتها استقامت لهم ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و مقتضى ذلك وجب الرقابة و اليقظة لضمان بقاء تصرفات الأئمة في هذا الإطار

و لاشك أن إقامة هذا الواجب على وجهه يقتضي قيام تكتلات شعبية تتولى هذه المهمة و المعارضة الفردية لا جدوى لها أمام جبروت الطغاة ، ولقد أثبتت التجارب أن الأحزاب السياسية أكثر فاعلية و أعمق أثرا و أجدى - في باب التغيير و استصلاح الأحوال - من المعرضة الفردية المتناثرة

رابعا : صيانة الحقوق و الحريات :

للحقوق و الحريات - في الشريعة الإسلامية - منزلة عظيمة و صيانتها من مهام الدولة الأكيدة و لا يتأتى مقصود الشارع في صيانتها إلا بإنشاء هذه التكتلات الشعبية التي تحمي الشعب من عسف السلطان و جور الحكام و تحقق له السيادة على نقسه و على قراره في إطار سيادة الشريعة .

2 :مقومات و مبادئ الشريعة الإسلامية

تقيد التعددية السياسية



إن الإقرار بالتعددية يعني أن نتيح لجميع الأطراف فرصة متكافئة في الإعلام ، يدعون لبرامجهم و يقدمون أنفسهم إلي الأمة ، فهل يقبل المجتمع المسلم أن يترك الإعلام للملاحدة و لمرتدين يزيفون باطلهم و يروجون لإلحادهم و ردتهم و يتولون الحكم و تكون لهم الولاية ؟؟ و من ثم كيف يتم يداول السلطة ؟ .

و الحقيقة أن التعددية المطلقة لا وجود لها في الواقع لا في الدولة الإسلامية و لا في الدول العلمانية ، لأنه ما من دولة من الدول إلا و تقيد الحريات و غيرها بما يسمى بالنظام الغام و الآداب العامة أو المقومات و المبادئ الأساسية للمجتمع ، و قد تضيق دائرة القيود هذه و قد تتسع و تتفاوت من دولة لأخرى ، إلا أن هناك قدر محكم لدى الجميع هو وجود إطار يجب أن تتقيد به هذه التعددية و أن تدور في فلكه ، و من ثم يجب أ، تتقيد التعددية السياسية بالمقومات و المبادئ الشرعية الآتية :



1: أن تكون هذه التعددية في إطار الأصول الإسلامية الثابتة بالكتاب والسنة و الإجماع ، فلا يسمح نتحزب على أصول بدعية كتلك التي تتميز بها الفرق الضالة على مدار التاريخ ، فإن في ذلك خروج عن الجماعة وإتباعا لغير سبيل المؤمنين .

2 : أن يتفق جميع الأطراف على إطار جامع - يشمل هذه الأصول الثابتة بالكتاب و السنة والإجماع و المصالح العليا للبلاد - يكون موضع إقرار الكافة يعملون على دعمه و هم في ذلك نسيج واحد وحزب واحد وهم يد على من سواهم .

3 : أن يكون الالتزام بالحق والمصالح العليا للبلاد هو البديل للالتزام الحزبي كما في المبدأ الديموقراطي : النائب يمثل الأمة و ليس دائرته فقط حتى يكون الصالح العام أولى بالاعتبار.

4 : و أن يكون الترشيح من قبل الحزب و ينأى الشخص بنفسه عن التهالك على الأمر و أن يكون معيار التقويم والمفاضلة بين المرشحين هو ما يقدمونه من برامج و إجتهادات سياسية ناضجة ، و يكون طلب الولاية لمصلحة الأمة و ليس لمصلحته الشخصية أو الحزب و بهذا نتجاوز آفة التنافس في التعددية .

5: و بالنسبة للدعاية الانتخابية فتقتصر على القدر الذي يتحقق به التعريف في إطار الصدق و الموضوعية و أن يتمحور البيان و التزكية على البرامج المقترحة للإصلاح ، وتجنبا للقدح في الآخرين فيجب الالتزام بالضوابط المقررة شرعا و الحزم في التصدي للتجاوزات في هذا المجال .



المطلب الثالث

الحرية السياسية و تداول السلطة السياسية

تمهيد : المقصود بالحقوق السياسية :

الحقوق السياسية عند في فقه العلوم السياسية و النظم الدستورية تعني : الحقوق التي يكتسبها الشخص باعتباره عضوا في هيئة سياسية مثل حق الانتخاب و الترشيح و حق الشورى

الفرع الأول

حرية الترشيح و الانتخاب

أولاً : حق الترشيح

حق الفرد في الترشيح : من حق الإنسان أن يرشح نفسه لمنصب من مناصب الدولة أو وظيفة من وظائفها العامة ، فهل يملك هذا الحق انفرد في الدولة الإسلامية ؟ الظاهر انه لا يملك هذا الحق _كقاعدة عامة _ فلقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي  قال له (( يا عبد الرحمن بن سمرة لا يسأل الإمارة فان أعطيتها عن مسالة وكلت إليها و إن أعطيتها من غير مسالة اعنت عليها )) فالترشيح يتضمن طلب المنصب أو الوظيفة و هذا غير جائز ، أما ترشيح المرء لغيره فجائز لأنه لا يتضمن طلب الولاية و إنما يتضمن دعوة الأمة إلى انتخاب المرشح الكفء ، هذا في الأصل .

حكم الترشيح في الوقت الحاضر : أما إذا اقتضت الضرورة أو المصلحة العامة ترشيح المرء لنفسه فجائز و لا خلاف أن الأمور قد تعقدت في الوقت الحاضر و اتسعت و ما عاد بالإمكان معرفة الأمة للأكفاء الصالحين حتى تنتخبهم ، فإن قام الكفء بترشيح نفسه من قبيل الدلالة على الخير و إرشاد الأمة و إعانتها على انتخاب الأصلح لتحقيق المصلحة العامة فجائز و ذلك استئناسا بقول يوسف  ((اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم )) يوسف : 55

الدعاية للمرشح : و يجوز للمرشح أن يعرض نفسه على الناخبين و يعرفهم بنفسه و يبين لهم برنامجه الانتخابي و فكرته و منهجه في العمل دون مدح لنفسه و ذم للآخرين و تنقيص لهم

ثانياً : حق الانتخاب

حق الفرد في الانتخاب أساسه الشرعي :

من حق أي فرد -في الدولة الإسلامية - أن يمارس حقه في الانتخاب سواء كان هذا انتخاب رئيس الدولة أو أهل الشورى و هذا الحق ثابت و قد صرح به الفقهاء فمن أقوالهم الصريحة في انتخاب رئيس الدولة : ( فمن اتفق المسلمون على إمامته و بيعته ثبتت إمامته و وجبت معونته ) فرئيس الدولة رجل تنتخبه الأمة و ترضى به ، ويستمد سلطانه من هذا الرضا و ذاك الاختيار.



الفرع الثاني

حرية الرأي و الشورى

أولاً : حرية الرأي

مكانة هذه الحرية في الشريعة :

حرية الرأي حق الفرد في الدولة الإسلامية بالغ الأهمية والخطورة لا يجوز للدولة أن تنتقص منه ولا يجوز للفرد أن يتنازل عنه .. أنه ضروري لكيان الفرد الفكري والإنساني ، ولازم لقيام المسلم

بفرائض الإسلام .. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم فرائض الإسلام ، وتحقيقه يستلزم بداهة حرية الرأي . جاء في القرآن الكريم ، في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر "

( العصر : 1- 3 ) و قوله تعالى " والمؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ( التوبة : 71 ) ، " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ( آل عمران : 104 ) وفي الحديث الشريف : (( من رأى منكم فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ))

حدود حرية الرأي :

و حرية الرأي ليست مطلقة من كل قيد ، بل هي تخضع لجملة من القيود ، و أول هذه القيود : ذلك القيد العام الذي يقيد استعمال كل حق ، و خو حسن القصد و خلوص النية ، بأن يريد من حرية الرأي الوصول إلى الحق و إفادة المجتمع ، و النصح للإسلام و لأئمة الإسلام و عامتهم لما أمر الله

و القيد الثاني : وهو من القيد الأول ألا يبغي بحرية الرأي الفخر و الرياء و تنقيص الآخرين و التشهير بهم و تكبير عيوبهم ، بقصد الوصول إلى مغنم أو منصب .

و القيد الثالث : مراعاة العقيدة و المبادئ الإسلامية ، فلا يجوز الطعن في الإسلام أو في عقيدته بحجة حرية الرأي .

القيد الرابع : أن يراعي المعاني الأخلاقية في الإسـلام ، فلا يجوز نهش الأعراض و سب الناس و رميهم بالقبائح بحجة حرية الرأي ، فالحرية تقف عندما تصبح أداة إضرار و إفسـاد .

ثانياً : حق المشاورة

حق المشاورة أساسه الشرعي :

و حق المشاورة هو في الحقيقة امتداد لحق الأمة في انتخاب رئيس الدولة فهي التي انتخبته ومن حقها عليه ألا يبرم أمرا من الأمور الهامة التي تؤثر في حاضرها و مستقبلها إلا بعد الرجوع أليها و أخذ مشورتها (( و أمرهم شورى بينهم )) سورة الشورى ، قال تعالى في سورة الشورى موضحا صفات المؤمنين ( و الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة و أرهم شورى بينهم و مما رزقناهم ينفقون ) الآية الكريمة تضمنت حكما هو أن : أمر المسلمين شورى بينهم ، فهم يتشاورون في أمورهم العامة و الخاصة لإقامة العدل و تنفيذ حكم الله و تحقيق مصالح العباد ، و حتى لا يستبد فرد أو قلة من الناس بالتصرف أمر تعم به البلوى ، و تتأثر به مصالح الغالبية من الشعب المسلم .

و هذه النصوص الشرعية واضحة الدلالة علي وجوب المشاورة و لا خلاف بين الفقهاء على ذلك ، قال ابن تيمية( لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإن الله تعالى أمر بها نبيه ) ، و هذا المعنى ذكره كل من القرطبي و الرازي و الطبري في تفاسيرهم .

ترك الشورى موجب لعزل الحاكم :

و نظرا لثبوت حق الأمة في المشاورة و لزومه على الحاكم ، صرح الفقهاء بأن يرك هذا الحق من قبل الحاكم موجب لعزله قاله القرطبي ( قال بن عطية : والشورى من قواعد السريعة و عزائم الأحكام ، من لم يستشر أهل العلم و الدين فعزله واجب ) فلا بقاء لحاكم مستبد في دولة تقام على الإسلام .

الفرع الثالث

الحق في مراقبة و محاسبة الحاكم

و للأمة - و الفرد واحد منها - الحق في مراقبة رئيس الدولة وسائر ولاتها ، في أعمالهم وتصرفاتهم التي تخص شئون الدولة . وتستمد الأمة هذا الحق من طبيعة علاقتها مع رئيس الدولة ، فعلاقتها معه علاقة وكالة ، فهي التي اختارته ، ومن حق الموكل أن يراقب وكيلة ليطمئن على حسن قيامة فيما وكله فيه .

وحق الأمة ، في مراقبة رئيس الدولة وسائر ولاتها وحكامها ، كأن مرعيا أحسن رعاية في عصر الإسلام الأول ، واكثر من ذلك كان رؤساء الدولة الإسلامية يدعون الأمة لمراقبتهم وتقويمهم إذا رأوا في سيرتهم اعوجاجا ، وقد حفظ لنا التاريخ سوابق خالدة في هذا الباب من ذلك ما قاله الخليفة أبوبكر الصديق في خطبة له (( .. فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني )) ، ومن خطبة للخليفة عمر بن الخطاب : (( من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه ، فقال له أحد الحاضرين : والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا ، فقال الإمام عمر بن الخطاب : (( الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه )) .

الخاتمة

هذه الدراسة عنوانها : ( تداول السلطة السياسية في الشريعة الإسلامية ) و لقد قسمتها إلى ثلاثة مطالب ، في كل مطلب ثلاثة فروع .

و كان في المطلب الأول : تناولت قيام سلطة الحكم و انتهاءها و هذا لب البحث و أساسه فمن خلال ثبوت احكم و انقضائه يتم تداول السلطة ، و في الفرع الأول : بينت الشروط الواجب توافرها في الحاكم وطرق انعقاد الحكم ثم إجراءات اختيار الحاكم و قد رأيت أن الطريق الوحيد الذي ينعقد به الحكم و تثبت به السلطة هو الانتخاب ، و في الفرع الثاني : تعرضت للأـسباب التقليدية التي ينتهي بها الحكم و هي الوفاة و الاستقالة و العزل ، و في العادة يستمر الحاكم في حكمه مدى الحياة ما لم يحدث سبب من هذه الأسباب ، و لما كان لتداول السلطة يعني أن ينتقل الحكم من شخص لآخر و من حزب سياسي لغيره ، لذلك طرحت - في الفرع الثالث - مسألة : تحديد مدة لرئيس الدولة و انتهيت إلى أن من الفقهاء المعاصرين و السالفين من يرى جواز ذلك على أساس أن الخلافة عقد بين الحاكم و الأمة يتم بالتراضي بينهما ، فإنه يجوز تقييدها بما يقيد سائر العقود من الشروط و القيود شريطة أن تكون في دائرة الشرعية ، فلا تحل حراما و لا تحرم حلالا و لا تأمر بمنكر و لا تنهى عن معروف ، فإنه إذا تم النص في عقد التولية على تقييده بمدة زمنية معينة فلا حرج في ذلك ، و يصبح هذا التقييد ملزما للكافة ، و لا يعتبر السعي لتولي مقاليد السلطة بعد انتهاء المدة الدستورية شقا لعصا المسلمين ، و يجوز في تلك الحالة أن يتعدد المرشحون الذين تقومون أو يقامون لتتفق الأمة على واحد منهم ، كما وقع عند خلافة الصديق ة خلافة عثمان رضي الله عنهما فإذا انعقدت الحكومة بأغلبية أصوات الأمة ، و استلم الرجل المنتخب زمام الحكم فحينئذ لا يجوز لحد أن يقوم لينازعه طوال فترة حكمه .

و المطلب الثاني كان عنوانه : التعددية السياسية و تعرضت فيها للأحزاب السياسية ، و لما كانت موضوعها من المسائل الحادثة التي لا عهد للأمة بها من قبل تفاوتت اجتهادات الفقهاء المعاصرين في هذه القضية بين رأيين : الأول : يرى حرمة الأحزاب السياسية و الآخر: يرى مشروعيتها ، و نحن مع هذا الرأي باعتبار أن الأحزاب السياسية من مسائل السياسة الشرعية التي تعتمد الموازنة بين المصالح و المفاسد و لا يشترط لمشروعيتها أن تكون على مثال سابق ، و أن الأصل في العادات و المعاملات الحل حتى يأتي ما يدل على التحريم ، و قاعة الذرائع و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فالتعددية أمثل طريق إلى تحقيق الشورى و الرقابة على السلطة و صيانة الحقوق و التحريات ، لما أنها الطريق إلى الاستقرار السياسي و منع التمرد و الخروج المسلح على السلطة فضلا عن أن بديلها الاستبداد بالسلطة و ما ترتب عليه - كما يحكي التاريخ - من الإغراء بالقهر و التسلط ، و الأهم من ذلك كله أن كل الأدلة التي ساقها المعارضون محل نظر ، و أن ما ذكروه من المفاسد منها ما يمكن تجنبه بالكلية و منها ما يمكن تقليله بحيث يبدوا مرجوحا إذا ما قورن بما في التعددية من المصالح الراجحة .

و في المطلب الأخير : تعرضت لمجموعة من الحقوق والحريات اللازمة و الضرورية لتداول السلطة و انتقالها من حاكم لآخر و من حزب سياسي لغيره و هي حرية الانتخاب و الترشيح والرأي ثم حق الشورى و حق الأمة في مراقبة تصرفات الحاكم و محاسبته عليها ، و تعرضت لكل حرية أو حق بإيجاز شديد يفي ببيانه و لزومه لتداول السلطة .

و بعد فلا أدعي أني وفيت موضوع البحث حقه ولا استوفيت عناصره ، و إنما هي محاولة أفتح بها باب البحث - مع من سبقني في هذا الباب - أحسب أني بذلت فيها جهدا و أنفقت وقتا أحتسبه عند ربي سبحانه و تعالى و أسأله أن يغفر لي تقصيري و الله من وراء القصد و هو يهدي السبيل .

المراجع



سلسل اسم المؤلف اسم الكتاب دار النشر و تاريخ الطبعة



أولا : القرآن الكريم



ثانيا : كتب التفاسير

1 الأمام ابن كثير تفسير القران العظيم طبعة الحلبي

2 الإمام للألوسي روح المعاني

3 . الإمام البغوي معامل التنزيل مطبعة التقدم

4 الإمام القرطبي جامع لأحكام القران دار الكتابة العربيةا1967 م

5 لإمام الرازي تفسير

6 الإمام الطبري جامع البيات في تأويل القران دار المعارف بمصر 1975



ثالثا : كتب الحديث

7 لإمام الإمام أحمد ابن حنبل مسند الإمام أحمد دار المعارف 1313

8 الإمام لترمذي سنن الترمذي

9 الإمام ابن حجر العسقلاني فتح الباري المطبعة الخيرية بمصر

10 الإمام ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل مكتبة السلام العالمية بالقاهرة

11 الإمام الشهرستاني الملل والنحل مطبعة الحلبي 1931

12 الإمام لشاطبي الاعتصام المكتبة التجارية ط 1



خامسا : كتب الفقه

13 الإمام ابن تيميه مجموعة الفتاوى ط 1 1386

14 أبن قدامه الحنبلي المغني مطبعة الإمام

15 الدرديري الشرح الكبير على مختصر خليل المطبعة العامرة 1392هـ

16 ابن سعد



سادسا : كتب السياسة الشرعية

17 الإمام المارودي الأحكام السلطانية مطبعة عيسى الحلبي

18 ابن تيمية السياسة الشرعية

19 بن خلدون المقدمة



سابعا : كتب حديثة في النظم السياسية و القانون الدستوري

20 د / زكريا عبد المنعم الخطيب - نظام الشورى في الإسلام طبعة 1985

21 د/ سليمان الطماوي السلطات الثلاثة دار الفكر العربي ط 1979م

22 د / صلاح الصاوي ، التعددية السياسية ط 1 1414هـ 1992م دار الإعلام الدولي القاهرة

23 د / عبدالرازق السنهوري فقه الخلافة الهيئة المصرية العامة للكتاب ط2 1993

24 عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي الهيئة المصرية العامة للكتاب

25 د / عبد الكريم زيدان الفرد و الدولة في الشريعة الإسلامية سلسلة صوت الحق دار العلوم للطباعة







الأحد، 17 نوفمبر 2013

لا تحزن إن الله معنا



{ لا تحزن إن الله معنا }  التوبة 40

  هذه الجملة القصيرة ذات الكلمات القوية الشجاعة سجلها القرأن الكريم على لسان النبي الأمين صلى الله عليه وسلم يطمئن بها صاحبه الصدّيق ،  وقد لحق بهما الكفار وأحاطوا بهما من كل جانب ، بعد أن قال له لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله، فسجل الله تعالى رد النبي :{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا }

وبذات قوة العبارة وفي حزم ، وبصدقها وفي عزم، وبصارمتها وفي جزم ، اقولها للمجاهدين الثابتين في الميادين المصرية بصدورهم العارية واياديهم المسالمة وقلوبهم المؤمنة ، واقولها للصقور الآحرار في السجون ، وللأطهار الأبرار المتهمين زورا وبهتانا ، واقولها لأسر الشهداء الثكالى والأرامل وللأطفال الابرار الأيتام :

 ما دام الله معكم فلا حزن ولا خوف ولا قلق، إنما السكينة .. والثبات.. والهدوء.. والطمئنينة، لأن الله معكم ،   لن تغلبوا، لن تهزموا ، لن تضلوا ، لن تضيعوا، لن تيأسوا ، لن تقنطوا .... لأن الله معكم  ،  فالنصر حليفكم، والفرج رفيقكم، والفتح صاحبكم، والفوز غايتكم، والفلاح نهايتكم .... لأن الله معكم  .

ليس هناك من هو أقوى قلبا من المجاهدين الثابتين في الميادين المصرية ، ولا أهدى منهم نهجا، ولا أجلّ منهم مبدأ، ولا أحسن منهم سيرة، ولا أرفع منهم قدرا .....لأن الله معهم  ، وما أضعف الأنقلابيين رغم دباباتهم ومدافعهم ، ما أذلّهم خصمنا رغم حكومتهم المغتصبة وسلطتهم المنهوبة ، ما أحقر من هان شعبه واذله وتحالف مع اعدائه ما أجبن من قاتلنا وواجبه حمايتنا ..... كل ذلك لأن الله مع المحسنين .

   وغدا - وإن غدا لناظره قريب - سوف ينتصر  الحق وتتحرر الأمة من طفيان العسكر وتثأر لشهدائها وتنعم بحقوقها وحرياتها ، ويسمع أهل الأرض روعة الأذان وكلام الرحمن ونغمة القرآن ..... لأن الله معهم.

يحبهم ويحبونه



قال تعالى : (يحبهم ويحبونه) من الأية 54 سورة المائدة

( يحبهم) ‍.. سبحان الله ، يحبهم الله وهو غني عنهم وهم فقراء إليه ، يحبهم سبحانه وهو قيوم وهم يعتمدون عليه .وعجيب أن يحبهم وهم عبيده وهو خالقهم، ويرزقهم دون ان يسألوه .

(ويحبونه) .. حبهم لله ليس فضل منهم ولا منه ، فهو سبحانه الذي صورهم وهم أجنة ، ثم أخرجهم من بطون أمهاتهم ، ثم هداهم بالكتاب والسنة.ولا عجب ان يحبوه سبحانه ؛ لأنه وهبهم القلوب والأسماع والأبصار ، وسخر لهم الشمس والقمر والليل النهار.

(يحبهم ويحبونه) في الكلمتين معا الوداد والصفاء والوفاق والوفاء ، ولو قال : ( يحبهم ) فقط لتوهم من عباده الجفاء له سبحانه، ولو قال: ( يحبونه ) فقط لقيل ليس لهم عند ربهم اجتباء .

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

حتى بعد السيسي : فلابد من الجهاد ليسقط الانقلاب بقلم : محمد أبوغدير المحامي


غاب السيسي زعيم الانقلاب الغادر عن الأضواء خلال الأسابيع الماضية فلم يشاهده أحد في مقابلة أمام وسائل الأعلام ولم يجر معه حوارا في الصحف أو تصدر عنه تصريحات ، وانشغل كثير من المصريين بهذا الغياب ، فكتب البعض على شبكات التواصل الاجتماعي يخبر بمرض السيسي الشديد المقعد عن أداء مهامه وزعم آخرون بموته أو قتله .

وشكك كثيرون في كل صورة للسيسي تنشر عن لقائه مع غيرة فينظر إليها بريبة ويشككون في صحتها ، ونصب الكثيرون أنفسهم خبراء في هندسة التزييف والتزوير ، فيكشفون عن شواهد متناقضة او مختلفة على الصورة المنشورة ليثبتوا تزييفها ، وذلك بقصد ألا يفقدوا حلما جميلا - لا شك - يتمناه كل حر وهو هلال الطاغية الأكبر مدبر ومنفذ الانقلاب الغاشم .

ومع إقرارنا بجرم السيسي ودوره الكبير في الانقلاب ، وكذلك بالأثر المباشر والقوي الذي تتأثر به سلطة الانقلاب في حالة غيابه بالمرض المقعد عن قيامه بأعماله أو الموت المنه لحياته ، فمن الضروري والواجب القول بأن موت شخص السيسي أو قتله سيؤدي إلى تغيير حال البلاد والعباد من بعد عسر يسرا ، ومن بعد قتل وخطف وحرق وسجن واعتقال إلى حرية وأمان واطمئنان والتمتع بسائر حقوق الإنسان .

ومن ثم فلا يجب أن يشغل الأحرار المصريين أنفسكم بشخص السيسي ، فلا شك إن مات أو قتل عبد الفتاح السيسي وحده وبقي الانقلاب فسيهتف كل الظالمون بصوت واحدا كلنا السيسي ، رغم أنهم هم الجبناء الذين ينهارون خوفا ورعبا من شارة رابعة رمز الصمود .

ومن ثم فالسيسي ليس فردا وإنما عصابة كبيرة من المفسدين ، يتتلمذ على يديهم الشياطين لديهم منهج يكرس مطامعهم ويحمي مكتسباتهم ، يؤمنون به ويجاهدون بكل الوسائل إلى تنفيذه ، دون النظر إلى حقوق الناس وحرياتهم ، وبغض النظر عن الحل والحرمة ، ودون مراعاة لوطنية أو قومية.

السيسي : فرقة من الدعاة الضالين ، يزعمون ويدعون اﻻسلام والإيمان واﻹصلاح ركنوا إلى جنب الطغاة يبررون لهم قتلهم واعتقالهم اﻷحرار ونهبهم وسرقتهم مقدرات اﻷوطان ، وارتضوا دور الملل للانقلاب الغاشم بوقوفهم مع الخائن حال إعلانه الخروج عن الشرعية ، وأحلوا له سفك دماء المعتصمين الأحرار الرافضين لانقلابه   .

السيسي : دائرة كبيرة من القضاة في كل محكمة خلعوا وشاح العدالة ، وأغمضوا أعينهم عن الحيدة والمساواة بين الناس وركنوا إلى السلطان من اجل متاع يجرهم إلى النار ، وخرجوا عن حدود اختصاصاتهم المحدودة فأبطلوا وحلوا برلمانا اختاره الشعب مصدر السلطات ، وسيسوا القضايا فكانت جل أحكامهم تبرئ المجرمين من القتله والمفسدين من مؤيدي السلطة الظالمة ، وتؤيد القبض والاعتقال دون ضمانات وإجراءات سليمة أو تحقيق نزيه ، وتحبس وتسجن دون جريرة المؤيدين للشرعية ومعارضي الانقلاب .

السيسي : عصابة من رجال أعمال المال الحرام تربوا وترعرعوا في عهد مبارك قسمت عليهم أراضي مصر بلا مقابل فباعوها بأفحش الأثمان ، وائتمنوا على أموال الشعب فنهبوا البنوك ورفعوا الأسعار ، وامتلكوا وسائل الأعلام  فكذبوا وأضلوا وبغضوا الشعب الطيب في أول رئيس مدني منتخب وفي البرنامج الإسلامي الذي يحمله ، وبأموال الأمة المنهوبة مولوا الانقلاب عليه .

السيسي : كتيبة من الجند تركوا الحدود والثغور وتحالفوا مع اليهود ، وبدلا من المحافظة على وحدة الأمة وفرقوا جمعهم وحزبوا صفهم الواحد ، فاصطنعوا جبهة التمرد وأيدوا جبهة الإنقاذ وانقلبوا على الرئيس ولاحقوا أنصاره من الحكومة والبرلمان الذين حازوا على ثقة الشعب في خمس انتخابات نزيهة بعد ثورة يناير.

السيسي : هو العسكر التي تقاعس عن الأمانة ونفض يده من تأمين الشعب فلا تأمين للأجساد أو الأرواح فكثر التعدي على الناس بالضرب والقتل ، ولا حماية للأموال فتسورت البيوت لتنهب وتركت السيارات لتسرق ، وانشغلوا بتأمين السلطة الحاكمة الظالمة ليقتلوا شهامة الرجال وشجاعة النساء فاعتقلوا الأطفال من مدارسهم والفتيان من جامعاتهم ، وانشغلوا بزراعة وبيع الخضار والفاكهة عن صنع السلاح  .

السيسي : هم الجهلاء الذين يزعمون أنهم مثقفوا الأمة وروادها وحماة للديمقراطية وحقوق الإنسان ، الذين أيدوا الانقلاب الغادر وباركوا الخروج على الشرعية ، وصفقوا لحل البرلمان المنتخب وإلغاء الدستور ، ورضي بتولي السلطة من ؟؟؟ رئيس المحكمة الدستورية .

 يا حسرة على الصفوة المثقفين ، الذين لم تقشعر جاودهم لدماء عزيزة سالت ، وأرواح الآلاف التي زهقت ، وأجساد المصابين وجثث الموتى التي حرقت وتفحمت ، وآلاف المعتقلين دون جريرة في غياهب سجون ، ولقد قطعت ألسنتهم عن النطق بدعواهم الكاذبة بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته ، أرضوا بذلك كله وباركوه لكون الضحايا اغلبهم إسلاميون ؟؟؟؟ ، حسبنا الله ونعم الوكيل .

السيسي هو كل هؤلاء الظالمون الفاسدون المجرمون جميعا ، وهم يد واحة على كل حر أبي ، يعملون دون كلل أو فتور ليبق حال الوطن إلى ما صار عليه بعد الانقلاب ، لأنهم يعلمون يقينا أن في سقوط انقلابهم فضلا عن ضياع جاههم وسلطانهم المغتصب ، تقديمهم للمحاكم لما اقترفت أيديهم من جرائم الإبادة الإنسانية بالخيانة والغدر والخروج على الدستور والقتل الحرق والنهب     .

ويسعون السيسيون المجرمون - إذا لم يسقط انقلابهم سريعا - لإثبات شرعيتهم بالانتهاء من إعداد الدستور وإقراره بموجب استفتاء مزور منسوب إلى الشعب وإجراء انتخابات برلمانية يخوضها المجرمون ليحصلوا بموجبها على الحصانة التي تقيهم الشنق والحبس على ما اقترفت يداهم من جرائم .

ومن الجانب الآخر يجب على المصريون الأحرار المجاهدين وعلى الآخرين التائهين الغافلين  أن يعلموا علم اليقين أن الحقوق والحريات ليست من منحة من حاكم ولا هبة من ملك أو أمير يصدرها ثم يمنعها يزيدها أو ينقصها وإنما هي حقوق متأصلة في كل إنسان لا تنفك عنه أحد من الناس فقد ولدوا بها وتظل تلازمهم حتى يواروا بالتراب .

وأن الحقوق والحريات التي سلبت من الشعب المصري قسرا وقهرا لا تسترد إلا بالجهاد الطويل والتضحية والبذل بالغالي والنفيس من أرواحهم وأموالهم وابدأنهم في سبيل إعلاء كلمة الله الداعية إلى الحق والخير وكرامة الإنسان ، وعليهم أن يوقنوا ويعملوا بقوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) .